شكر النعم من مستلزمات النجاح في تلقي النعم الإلهية


تعدّ النِّعَم من موارد الاختبار الإلهيّ الّتي يتعرّض لها الإنسان في حياته. والنِّعَم لها آداب في كيفيّة التعاطي معها، فكما أنّ الصبر من مستلزمات النجاح في الابتلاء بالمصائب، فكذلك الشكر هو من مستلزمات النجاح في تلقّي النِّعَم الإلهيّة.إنَّ الله تعالى يختبر عباده بالنعمة والمنحة، كما يختبرهم بالمصيبة والنَّقمة والمحنة.يقول الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُّنِيرٍ﴾هذه من الآيات الّتي تتحدّث عن نِعَم الله سبحانه على عباده. يبتلينا الله بما أنعمَ ليختبرنا كيف نتصرَّف. وإذا راجعنا الآيات والأحاديث الشريفة، نحصل على مجموعة عناوين حول النّعم الإلهيّة وكيفيّة التصرّف بها، أوّلاً: علينا أنْ نشعر بالنِّعَم الإلهيّة ونعترف بها، فنحن نغفل عن الكثير من نِعَم الله علينا. لذا يجب أن نذكّر أنفسنا بها دائماً.ثانياً: علينا أن نسلِّم، أيضاً، بأنّ هذه النِّعَم هي من الله عزّ و جلّ، فما من فضلٍ أو حسنةٍ إلا هي من عند الله.أمَّا السبب في ضرورة الالتفات إلى تذكُّر النِّعمة فذلك لأنّنا نغفل عنها لكوننا اعتدنا عليها فلم نعد نراها، إذ تصبح أمراً طبيعيّاً. لقد أنعم الله علينا بالوجود وخلَقنا في أحسن تقويم، وزوَّد أجسادَنا بكلّ ما نحتاج إليه، أعطانا البصر لنرى ونتمتَّع بكلّ شيء في هذا الكون، فالعين وسيلة لاختبار العلم والمعرفة والهداية، وكذلك وهَبنا سبحانه بقيّة الحواسّ، وأعطانا من الطاقات الروحيّة ما يمكّننا من التمتُّع بالنِّعَم المادّيّة والروحيّة، فكما أنّ هناك لذّات مادّيّة، هناك أيضاً لذّات روحيّة. فإحساس الإنسان بكرامته وكرم الله عليه يولّد لديه لذّة روحيّة. أمَّا الشعور بالمعصية والذلّ فهو نقص معنويّ وألم روحيّ.إنّ التمتُّع بالصحّة وسلامة العقل والروح من نِعَمِ الله علينا، وكذلك وجود الرسل والأنبياء والأولياء الصالحين، من النعم الإلهيّة. يقول تعالى: ﴿وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا﴾ .ومن نِعَم الله سبحانه دفعُه عنّا بعض المصائب والبلاءات. فإذا كنّا في بلدٍ ليس فيه زلازل أو براكين أو فيضانات، فهذا أيضاً من نِعَم الله. بعد معرفة تلك النِّعم ونسبتها إلى الله، يبقى علينا أن نشكره على نِعَمه. والقرآن يذكّرنا في أكثر من سورة قرآنيّة بضرورة الشكر: ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ و﴿لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾ . وفي بعض الآيات هناك أمر بالشكر:﴿وَاشْكُرُواْ لِلّهِ﴾6 وَ﴿وَكُن مِّنَ الشَّاكِرِينَ﴾ . وقد مدح تعالى بعضَ أنبيائه بالاسم كإبراهيم عليه السلام ونوح عليه السلام من خلال صفة الشكر. كما ندّد بالعباد الّذين لا يشكرون فيجب أن نُحدِّثَ بالنعمة؛ فإنّ الشعور بالنعمة ومعرفتها ونسبتها إلى الله تعالى، هذا كلّه شيء داخليّ ويبقى الانطلاق للإظهار. يقول تعالى: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ . فإذا كان الإنسان غنيّاً وراح يتذمَّر ويُنكر، فهذا خلاف شكر النّعَم. جاء في بعض الروايات أنّ النبيَّ صلى الله عليه وآله وسلم قال: “إنَّ الله يحبّ أن يرى أثر نعمته على عبده” .والتحدُّث عن النعمة لا يعني أن نُخبر الناس بها، بل أن نُظهرها في حياتنا ليرى الله أثر نعمته علينا. إنَّ إظهار النعمة والتحدُّث بها يجب أن يكون ضمن ضوابط الاعتدال، أي بدون بَطَر وإسراف وتضييع. في سُنن أبي داود، عن أبي الأحوص عن أبيه أنّه أتى النبيَّ في ثوب دون (عتيق رثّ غير مناسب) فسأله النبيُّ: “ألَكَ مال؟ قال: نعم. قال صلى الله عليه وآله وسلم: أيُّ مال؟ فقال الرجل: آتاني الله من الإبل والخيل والرقيق. فقال صلى الله عليه وآله وسلم: “إذا آتاك اللهُ مالاً فلْيُرَ أثرُ نعمة الله عليك وكرامته” يتحدّث الناس عن الزهد والتديُّن والوَرع، بأن يرتدي الواحد منهم ثياباً رثَّة ممزَّقة، ولا يضع الطِّيب، ويبقى بدون استحمام. ليس هذا ما أراده الله. عن أبي عبد الله عليه السلام: “إنَّ الله عزّ و جلّ يحبّ الجمال والتجمّل، ويُبغض البؤس والتباؤس” إنَّ الله يكره أن يُظهر الإنسان نفسه فقيراً، وهو ليس كذلك ويجب علينا الحفاظ على النِّعم وعدم التفريط بها وإهدارها هو من الواجبات تجاه الله عزّ و جلّ. فلا يجوز، مثلاً، أن يقتل الإنسان نفسه أو يُلحق بها الضرر.كما يجب عدم استخدام النِّعم بالمعاصي: إذا أردت أن تختم آخرتك بخير، فعظِّم آلاء ربِّك، وحافظ على نعمائه، ولا تستبدلها بالمعاصي.في الحديث القدسيّ: “يا بن آدم، تسألني فأمنعك لعلمي بما ينفعك، ثمّ تلحّ عليّ بالمسألة فأعطيك ما سألت فتستعين به على معصيتي، فأهمّ بهتك سترك، فتدعوني فأستر عليك، فكم من جميلٍ أصنع معك وكم من قبيحٍ تصنع معي” علينا أن نحافظ على نعمة الصحّة والعافية، فلا نأكل الحرام. وإنّ من يملك المال لا يجوز له استغلاله في الفتنة والنميمة وقتل الناس. ويجب ألَّا يستخدم الإنسان قوّته وجاهه وماله في معصية الله؛ فإنّ هذا يسلب النِّعم.



