ذكرى فاجعة وفاة الرسول الأكرم «صلى الله عليه وآله وسلم»


كانت شهادة خاتم الأنبياء والمرسلين محمد بن عبد الله صلى الله عليه وآله وسلم في اليوم 28من صفر الخير الاثنين وذلك في سنة 11هـ وعمره الشريف 63سنة.قال الإمام محمد الباقر عليه السلام: «لما قبض رسول الله بات آل محمد صلى الله عليهم أجمعين بأطول ليلة حتى ظنوا ان لا سماء تظلهم ولا أرض تقلهم؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وتر الأقربين والأبعدين في الله».وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في مرضه: ادعوا إليّ خليلي، فأرسلت عائشة وحفصة إلى أبويهما. فلما نظر اليهما الرسول صلى الله عليه وآله وسلم اعرض عنهما، ثم قال: ادعوا إليّ خليلي. فأرسل إلى علي عليه السلام فلما نظر إليه اكب عليه يحدثه، فلما خرج لقياه (أبو بكر وعمر) فقالا له: أحدثك خليلك؟ فقال عليه السلام حدثني الف باب يفتح كل باب الف باب.وفي اللحظات الأخيرة من عمره الشريف أوصى النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمير المؤمنين عليه السلام بجملة وصايا وقال: أشهدت عليها جبرائيل وميكائيل والملائكة المقربين، ومن هذه الكلمات ان جبرائيل كان يقول للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وأمير المؤمنين عليه السلام يسمع «انهم سيغصبون خمسك ويهتكون حرمتك ويخضبون لحيتك من دم رأسك» يقول أمير المؤمنين عليه السلام «عندما سمعت ذلك الكلام ،عوّلت وسقطت على الأرض» ثم أوصى بضعته الصديقة الطاهرة والحسنين عليهما السلام،ولما فرغ أمير المؤمنين عليه السلام من تغسيل البدن الطاهر للرسول صلى الله عليه وآله وسلم تقدم فصلى عليه وحده لم يشركه احد في الصلاة عليه. واجتمع الناس في مسجده صلى الله عليه وآله وسلم ماعدا أصحاب السقيفة، ليصلوا عليه ويدفنوه. وحضر امير المؤمنين عليه السلام، وقال «ان رسول الله أمامنا حيا وميتا». وهذا القول كناية عن إننا لا نصلي على بدنه جماعة.وعندها راح المسلمون يدخلون المسجد جماعة جماعة من دون امام، ويقرؤون قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلاَئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلَّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً) ثلاث مرات ويخرجون، ليدخل عليه غيرهم.قالت سيدتنا فاطمة الزهراء عليها السلام: «ما رأيت كاليوم قطّ حضروا أسوأ محضر وتركوا نبيهم صلى الله عليه وآله وسلم جنازة بين اظهرنا واستبدلوا بالأمر دوننا». بعد ذلك قال أمير المؤمنين علي عليه السلام: «إنّ الله لم يقبض نبيّاً في مكان إلاّ وقد ارتضاه لرمسه فيه وإنّي دافنه في حجرته التي قبض فيها». وإذا رجعنا إلى المنقول في هذا الصدد نجد انّ هذه الحجرة هي حجرة الزهراء عليها السلام. والدليل على ذلك كثير.وحفر أمير المؤمنين عليه السلام بمساعدة الآخرين قبراً أودعوه صلى الله عليه وآله فيه، ونزل أمير المؤمنين عليه السلام معه وكشف عن وجهه المبارك، ووضع خدّه الأيمن على التراب في اللحد، ثمّ خرج، وأهالوا عليه التراب.قال عليه السلام: فنزل بي من وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله ما لم أكن أظنّ الجبال لو حملته عنوة كانت تنهض به، فرأيت الناس من أهل بيتي ما بين جازع لا يملك جزعه، ولا يضبط نفسه، ولا يقوى على حمل فادح ما نزل به قد أذهب الجزع صبره، وأذهل عقله، وحال بينه وبين الفهم والإفهام والقول والاستماع، وسائر الناس من غير بني عبد المطلب بين معزّ يأمر بالصبر، وبين مساعد باك لبكائهم، جازع لجزعهم، وحملت نفسي على الصبر عند وفاته بلزوم الصمت والاشتغال بما أمرني به من تجهيزه، وتغسيله وتحنيطه وتكفينه، والصلاة عليه، ووضعه في حفرته، وجمع كتاب الله وعهده إلى خلقه، لا يشغلني عن ذلك بادر دمعة ولا هائج زفرة ولا لاذع حرقة ولا جزيل مصيبة حتّى ادّيت في ذلك الحقّ الواجب لله عزّ و جلّ ولرسوله صلى الله عليه وآله وسلم عليّ، وبلغت منه الذي أمرني به، واحتملته صابراً محتسباً. لقد كان رسول الله أسوة حسنة للناس في تعاليمه وخلقه ومعاملته الإنسانية لجميع مخلوقات الله وأن المتأمل في حياة الرسول محمد صلى الله عليه وآله لا بدّ ان تستوقفه طرق معالجته صلى الله عليه وآله لأهم المشاكل والصعاب وأهمها على الإطلاق وهي الحروب وكيفية معاملته صلى الله عليه وآله للأسرى مثلاً، والتي سبق غيره من مدعي الإصلاح بقرون عدة فالأسس التي وضعها النبي الأكرم صلى الله عليه وآله والوصايا التي هي بمنزلة القوانين والأوامر للجيش كانت مليئة بالقوانين الأخلاقية والإنسانية ليس مع الأسرى فحسب بل حتى مع الحيوان والأشجار، أنه صلى الله عليه وآله قد أرسى قواعد السلام العالمي في زمانه وأسس مدرسة جديدة إنسانية كبرى حول مفهوم الحرب والسلام والخلق الحربي قال تعالى: (وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّهُ هُوَ الْسَّمِيعُ الْعَلِيمُ)، إنها مدرسة فريدة في إنسانيتها مثاليةٌ مكنت الأجيال اللاحقة من الاقتداء بنورها والسير على نهجها. ومن هنا نجد تهافت أعداءه نتيجة لخلفيات تفكيرهم وقصور أطروحتهم التي أثمرت عدم قدرتهم الفعلية على مجارات الإسلام بإبعاده آنفة الذكر وقد أُسس على الحق والمنطق والأخلاق الفاضلة والنظام المرتب الفريد في كل شيء وأولها في الحروب، كل هذه الأمور أنتجت أيدلوجية جديدة آنذاك أرسى قواعدها الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله استخلص بوساطتها عقيدة مثالية تحلى بها المسلمون وبذلك استطاع الإسلام أن يفرض ذاته في الحياة فيبعثها معطاة حية يرفدها بالروح المعنوية وبالأحكام الشرعية والسلوك الإنساني وبالعمل في ما يفني الإنسان ابتداءاً من استعداده الذاتي لمواجهة الحياة وانتهاءاً في استعداده الروحي لاستقبال الآخرة.والمسلمون اليوم إذا ما أرادوا أن تكون لهم أطروحة جديدة في تحقق السلام العالمي كغيرهم من الأمم المتحضرة فلا بدّ ان تكون تلك الأطروحة من صميم معتقدهم نابعة من فكر رسولهم حتى يتمكنوا مرة اخرى من بعث أنفسهم كأمة حية لها فكرها وأيدلوجيتها تفرضه على الساحة الدولية ليعرف العالم بحق أن رسول الإسلام هو أول من أسس السلام العالمي.قال البروفسور كاراديفو في كتابه المحمدية:إن محمداً كان هو النبي الملهم والمؤسس ولم يستطع أحد أن ينازعه المكانة العالية التي كان عليها، ومع ذلك فإنه لم ينظر إلى نفسه كرجل من عنصر آخر، أو من طبقة أخرى غير طبقات بقية المسلمين….، أن شعور المساواة والإخاء الذي أسسه محمد صلى الله عليه وآله بين أعضاء الكتلة الإسلامية، كان يطبّق عملياً حتى على النبي نفسه.



