النصر والهزيمة بين الكثرة والقلة

{إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ}. هل الكَثرةَ هي كُلُّ شيءٍ لتحقيقِ النَّجاحِ أَو النَّصرِ؟ سواءً على المُستوى الشَّخصي أَو على مُستوى الجَماعة.
وهل ترتبطُ معادلةَ الكثرةِ والقلَّةِ بالجماعةِ المُؤمنةِ فقط؟! أَم أَنَّها تشملُ أَيّاً كانَ من الأَفرادِ والجماعاتِ بغضِّ النَّظرِ عن الخلفيَّةِ بكُلِّ أَشكالِها؟! وكيفَ ذلكَ؟!.
الجوابُ؛
أ/ إِنَّ النَّجاحَ والفشل أَو النَّصر والهزيمة لا علاقةَ لها بالكَثرةِ والقلَّةِ، فقد تفشل الكَثرة وقد تنجَح القلَّة.
ب/ إِنَّ الكثرةَ والقلَّةَ لا علاقةَ لها بالخلفيَّةِ [الدينيَّةِ أَو غيرِها] فقد تنتصرُ قلَّةً [كافرةً] أَو كثرةً [مُؤمنةً] والعكسُ صحيح، فقد تنجحُ قلَّةً [مُؤمنةً] وتفشلُ كثرة [كافرة].
الآيةُ الكريمةُ التي صدَّرنا بها المَقالُ تتحدَّثُ عن قصَّةِ معركةِ حُنينٍ [ماءٌ بين مكَّةَ والطَّائف] خاضها المسلمُونَ ضدَّ المُشركينَ، والتي يصفُها القرآن الكريم كالتَّالي {لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ}.
وبالتَّفاصيلِ حسبَ الآيةِ الكريمةِ؛
* المسلمُون كانُوا كثرةً ولم يكونُوا قلَّةً حتَّى أَنَّهُم اغترُّوا بكثرتهِم.
* ظنَّ المُسلمُونَ أَنَّ كثرتهُم هذهِ تكفي لإِنزالِ الهزيمةِ بالمُشركينَ! حتَّى قالَ أَحدهُم [لن نُغلبَ اليومَ من قلَّةٍ]!.
* كثرتهُم لم تنفعهُم في شيءٍ ولم تُغنِ عنهُم في تحقيقِ النَّصرِ.
* بل َإنها لم تغنِ عنهُم حتَّى لمنعِ الهزيمةِ فضلاً عن تحقيقِ النَّصرِ.
* وهيَ لم تنفعهُم حتَّى مع رحابةِ الأَرضِ التي كانُوا يُقاتِلونَ فيها العدُو.
* ومعَ العُدَّةِ والعددِ واتِّساعِ أَرضِ المعركةِ ولَّوا مُدبرينَ!.
قصَّةٌ عجيبةٌ ودرسٌ غريبٌ وتجربةٌ فريدةٌ بمعاني عميقةٍ.
كان عددهُم كبيرا جدّاً قياساً بالغزواتِ الأُخرى التي خاضوها من قبلُ فظنُّوا أَنَّ الكثرةَ عامِلٌ حاسمٌ في تحقيقِ النَّصرِ حتَّى أَعجبتهُم فتباهَوا بها، إِلَّا أَنَّ النَّتائج أَثبتت لهُم خطأ تصوُّرهُم وأَنَّ الكثرةَ ليست بالعاملِ الحاسمِ فهنالكَ عواملَ أُخرى ينبغي استحضارَها والعملَ على تهيئتِها قبل التَّفكيرِ بتحقيقِ النَّصرِ أَو انتظارِ النَّجاحِ.
وهكذا تتزاحمُ نظريَّتانِ في طريقةِ التَّفكيرِ، فبينَما تذهبُ الأُولى إِلى تبنِّي نظريَّة الكميَّة أَو العدديَّة [quantiti] تذهبُ الثَّانية إِلى تبنِّي نظريَّة النوعيَّة أَو الجَودة [qualiti].
والنظريَّتان يتمُّ تبنِّيهما على مُستوى الدُّول والشَّركات الكُبرى والمُؤَسَّسات الدوليَّة والأَفراد وغيرِ ذلكَ.
والنظريَّتانِ صحيحتانِ وعلى المُستويَينِ الفردي والعام، فبينما يحتاجُ المرءُ للتَّركيزِ على نوعيَّةِ المُنتجِ سواءً كانَ فكرةً أَو إِنجازاً أَو نجاحاً، يحتاجُ في نفسِ الوقتِ، رُبَّما، إِلى عددٍ وكميَّةٍ كذلكَ على مُستوى الإِنتاجِ أَو التَّنفيذِ، فالأَمرُ يحتاجُ إِلى عمليَّةِ توازنٍ دقيقةٍ حتَّى لا يطغى شيءٌ على شيءٍ.



