التصريح القرآني والتجربة التأريخية في تكريم البيوت والقبور.. بقيع الغرقد أنموذجًا

صباح الصافي..
تمثِّل قضية تهديم قبور البقيع إحدى القضايا اللافتة التي تعكس مستوًى عميقًا من الجهل بمقاصد القرآن الكريم وابتعادًا عن سنَّة الرَّسول الأعظم محمَّد (صلَّى الله عليه وآله) وأهل بيته الطَّيبينَ الطَّاهرينَ (عليهم السلام). وقد أثار هذا الفعل جدلًا واسعًا حول فهم النُّصوص الشَّريفة وتطبيقها؛ حيث يظهر التَّباين بين ما رسمه القرآن الكريم من احترام للبيوت والمقامات المرتبطة بالله (تعالى) وأنبيائه وأوليائه (عليهم السلام)، وما وقع فعليًّا من ممارسات أدَّت إلى انتهاك حرمة هذه الأماكن الشَّريفة.
المحور الأوَّل: السُّكوت القرآني والإقرار الضِّمني
من القواعد الدَّقيقة التي يُبنى عليها الفهم القرآني، أنَّ القرآن الكريم لا يكتفي بطرح الأحكام بصيغة الأمر والنَّهي المباشر؛ وإنَّما يعتمد في موارد كثيرة على (الإقرار الضِّمني) استنادًا إلى عرض مواقف الأمم السَّابقة وأعمالهم دون تعقيبٍ بالإنكار أو الرَّدع. وهذا النَّمط من البيان القرآني يُعدُّ في علم الأصول والتَّفسير قرينةً مهمَّة؛ لأنَّ سكوت القرآن الكريم في مقام البيان –مع توفر مقتضي البيان– هو سكوتٌ كاشف عن عدم الممانعة، وقد يرقى إلى مستوى الإمضاء.
وبعبارة أخرى: عندما يكون القرآن الكريم في موقع يُفترض فيه أن يوضِّح حكمًا أو يصحِّح مفهومًا أو يعالج سلوكًا، وتكون كلُّ الظُّروف مهيَّأة لأنْ يتدخل بالتَّصحيح أو المنع، ثمَّ نلاحظ أنَّه لم يعترض ولم ينهَ، فإنَّ هذا السُّكوت يُفهم على أنَّه سكوت مقصود يحمل دلالة.
وهذا السُّكوت يكشف أوَّلًا عن عدم وجود مانع شرعي من ذلك الفعل أو الفكرة؛ لأنَّ القرآن لو كان يرى فيه خللًا أو انحرافًا، لكان منسجمًا مع هدفه في الهداية أن يبيِّن ذلك، خصوصًا مع توفر الدَّاعي للبيان.
ثمَّ إنَّ هذا المعنى قد يتعمَّق أكثر، فيرتقي من مجرَّد (عدم المنع) إلى ما يُسمِّيه العلماء بـ(الإمضاء)؛ أي: أنَّ القرآن الكريم لا يكتفي بعدم الاعتراض؛ ولكن يُفهم من سكوته أنَّه يقرُّ هذا الفعل ضمنيًّا، وكأنَّه يقول: هذا الأمر مقبول في ميزان الشَّريعة.
ولتقريب الفكرة، تخيَّل أنَّ سلوكًا معيَّنًا كان موجودًا بين النَّاس، وجاء القرآن الكريم وتحدَّث عنهم في هذا السِّياق، وكان من المناسب جدًّا أن ينهى عن ذلك السُّلوك لو كان باطلًا؛ لكنَّه لم يفعل؛ فهنا يُفهم أنَّ هذا السُّكوت إشارة ضمنيَّة إلى الجواز أو القبول، وليس حيادًا.
وهذا الأسلوب من البيان يُظهر دقَّة الخطاب القرآني؛ وليس كلُّ حكم يُصرَّح به بشكل مباشر، وأنَّ بعض الأحكام تُفهم من طريقة العرض، ومن مواضع السُّكوت نفسها.
ومن هذا المنطلق تظهر أهميَّة تتبُّع الآيات الكريمة التي تنقل أفعالًا أو اقتراحات صادرة عن المؤمنينَ أو العقلاء في الأُمم السَّابقة؛ حيث إنَّ القرآن، بوصفه كتاب هداية، لا يمرُّ على الانحرافات العقديَّة أو السُّلوكيَّة مرورًا مُحايدًا؛ وإنَّما يتدخل عادةً بالتَّخطئة أو التَّصحيح. فإذا نقل فعلًا أو توجهًا ولم يعقِّب عليه بالردِّ، كان ذلك دليلًا على انسجامه –في الجملة– مع خطِّ الهداية.
وعند تطبيق هذه القاعدة على قصَّة أصحاب الكهف، نصل إلى دلالة بالغة الأهميَّة؛ فإنَّ القرآن الكريم ينقل لنا موقف المجتمع بعد العثور عليهم، ويصوّر حالة التَّعظيم التي نشأت اتِّجاههم، حيث قال الله (تعالى): (ابْنُوا عَلَيْهِم بُنْيَاناً)، ثمَّ ينقل قول الغالبينَ المؤمنينَ على أمرهم: (لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِم مَسْجِدًا).
ولتوضيح هذه المفارقة المنهجيَّة، يمكن الاستشهاد بما ورد في نقد القرآن الصَّريح لبعض المقولات العقديَّة المنحرفة، كما في قوله (تعالى) بشأن ما نسبه بعض أهل الكتاب: (وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ).
حيث لم يكتفِ القرآن بنقل القول؛ وإنَّما أعقبه بإدانة شديدة تكشف بطلانه وتفضح خلفيَّاته. وهذا النَّمط من الخطاب يدلُّ بوضوح على أنَّ السُّكوت القرآني قد يحمل في ذاته دلالة ضمنيَّة، تُفهم ضمن سياق عامّ من المقارنة بين موارد التَّصريح بالإدانة وموارد تركها.
وأمَّا مع أصحاب الكهف فإنَّ سياق الآيات يُوحي بأنَّ هذا الموقف جاء في إطار تكريم هؤلاء الفتية الَّذينَ ثبتوا على التَّوحيد، حتَّى صار موضع إجلالٍ وتقديسٍ في وعي المجتمع.
وعليه، فإنَّ نقل فكرة البناء على قبورهم، واتِّخاذ مسجد عليها، من دون ردعٍ أو إنكار، يكشف عن أنَّ أصل هذا الفعل كان مشروعًا في الشَّرائع السَّابقة، أو على الأقل لم يكن ممَّا يُستنكر في ميزان الهداية الإلهيَّة. وهذا بحدِّ ذاته يفتح الباب أمام القول بأنَّ البناء على قبور الصَّالحين، بقصد التَّكريم والتَّبرك، ليس فعلًا منبوذًا في أصل التَّشريع.
ويمكن أن نرتقي خطوةً أخرى في التَّحليل، فنقول: إنَّ الآية تنقل تحوّلًا اجتماعيًّا في الوعي الدِّيني؛ فقد تحوَّل أصحاب الكهف من أفرادٍ مستضعفينَ هاربينَ بدينهم إلى رموزٍ تُبنى على قبورهم المساجد، بما يعكس مشروعيَّة تعظيمهم وإحياء ذكراهم في المجتمع والبلاد.
والسؤال المحوري: هل هذا الإمضاء القرآني يبقى في حدود الحكاية التَّأريخيَّة، أم يمكن اعتباره قاعدةً ممتدةً في الشَّريعة الإسلاميَّة، خصوصًا مع عدم ورود ناسخٍ صريحٍ ينهى عنه؟
للإجابة عن هذا التَّساؤل، لا بدَّ أوَّلًا من تأصيل قاعدة منهجيَّة تُعدُّ من المرتكزات في فهم الخطاب القرآني، وهي: أنَّ القرآن الكريم إذا نقل تشريعًا أو ممارسةً سلوكيَّة لأممٍ سابقة بصيغة التَّقرير والإقرار، فإنَّ الأصل في ذلك البقاء والاستمرار، ما لم يَرِد دليلٌ ناسخٌ صريح، سواء من نصّ قرآني آخر أو من السُّنَّة الشَّريفة، يدلُّ على رفع هذا الحكم أو تقييده. فالقرآن الكريم هو كتاب هداية، وليس كتاب سردٍ تأريخي محايد. يتدخل لتصحيح الانحراف، ويُسجِّل موقفًا واضحًا من القضايا العقديَّة والسُّلوكيَّة. ونقله لسلوكٍ ما، أو اقتراحٍ صادر عن جماعةٍ مؤمنة أو عقلائيَّة، دون أن يُتبعه بنقدٍ أو ردع، هو إقرار على صحَّة ما قاموا به.
وفي ضوء ذلك، يتأسَّس أصلٌ مهم: أنَّ هذا السُّلوك كان منسجمًا –في الجملة– مع ميزان التَّشريع، ما لم يثبت ناسخٌ يرفعه في الشَّريعة الخاتمة.
وهذه القاعدة يكشف عنها الاستقراء الدَّقيق للموارد القرآنيَّة، ويتَّضح أنَّ كثيرًا من الأحكام والسُّنن التي حكاها القرآن الكريم عن الأُمم السَّابقة قد أقرَّها ضمنيًّا أو أبقاها ضمن البناء التَّشريعي العام، ما لم يُصرِّح بخلاف ذلك.



