اخر الأخباراراءسلايدر

طهران لا تُخلي الساحة: شعب يحمي قيادته والعدو يختبئ في الملاجئ

إلهامي المليجي

بينما يلوذ قادة العدوان بالملاجئ، كانت طهران تقدّم صورتها المضادة بكامل الوضوح: شعب في الشارع، وقيادة في الشارع، ودولة تعرف أنّ أمتن الحصون ليست دائماً من الإسمنت والحديد، بل من الثقة المتبادلة حين يدقّ الخطر أبواب التاريخ.

هدّدوا الناس بالصواريخ كي يفرّوا، فخرجوا أكثر. وفي يوم القدس، لم تحتمِ القيادة الإيرانية بالملاجئ، بل احتمت بشعبها في الميدان. فقد خرجت حشود كبيرة في طهران في يوم القدس رغم الحرب، ووقعت انفجارات قرب إحدى نقاط التجمّع، فيما ظهر في المسيرات الرئيس مسعود بزشكيان ووزير الخارجية عباس عراقتشي وأمين المجلس الأعلى للأمن القومي علي لاريجاني بين الحشود.

امتحان الرعب

لم يكن يوم القدس العالمي في طهران هذا العام مناسبة عابرة في رزنامة السياسة، ولا مسيرة اعتيادية تُضاف إلى أرشيف الصور والهتافات. ما جرى كان لحظة فرز كبرى بين منطقين: منطق العدوان الذي يراهن على أنّ الصاروخ يكفي لإخلاء الميدان، ومنطق شعب قرّر أن يبقى واقفاً حيث أُريد له أن يهرب.

لقد هُدِّدت المدينة علناً، ووقعت انفجارات قرب مسيرات يوم القدس، ومع ذلك لم تُفرَّغ الساحات، ولم يُسلَّم الشارع للرعب، بل بدا وكأنّ طهران كلها تردّ على النار بحضور أعلى، وعلى التهديد بمعنى أعمق: لن تمنحكم هذه الأمة صورة الهروب التي جئتم لاصطيادها.

في تلك اللحظة، لم يكن المشهد مجرّد تحدٍّ أمني، بل كان استفتاءً حيّاً على طبيعة العلاقة بين الدولة ومجتمعها. فالعدو لا يطلق صواريخه كي يقتل فقط، بل كي يكسر المعنى، ويفكّك الثقة، ويزرع بين القيادة وشعبها مسافة من الخوف والريبة والنجاة المنفصلة. لكن ما انكشف في طهران كان نقيض ذلك تماماً: قيادة لم تختبئ خلف الأبواب الثقيلة، وشعب لم ينسحب من المجال العامّ، ومدينة قالت للمعتدي، بصوت الحشود لا ببيانات الناطقين: قد تُسقطون النار قربنا، لكنكم لن تنتزعوا منا الشارع ولا الإرادة ولا صورة التلاحم ساعة الخطر.

سقوط الرهان

في جوهر كلّ عدوان حديث رهان نفسي لا يقلّ أهمية عن الرهان العسكري. الصاروخ لا يُطلق فقط كي يقتل أو يدمّر، بل كي يُحدث أثراً سياسياً وأخلاقياً: كي يُرغم الناس على إخلاء المكان، ويُشعرهم أنّ الدولة التي تطالبهم بالصمود ستختبئ قبلهم، وأنّ الشارع لم يعد لهم. هذا هو جوهر حرب الرعب: أن يُسلَب المجتمع ثقته بنفسه، وأن تُنتزع من القيادة شرعيتها المعنوية، وأن يتحوّل المجال العامّ إلى مساحة يحكمها التهديد لا الإرادة الشعبية.

لكنّ يوم القدس في طهران نسف هذا الرهان من أساسه. فالناس لم يهربوا، والقيادة لم تختفِ، والساحة لم تُسلَّم للذعر. هنا بالضبط وُلد المعنى السياسي الأخطر: أنّ المعتدي قد يملك ناراً أكثر، لكنه لا يملك بالضرورة قدرةً على إخضاع مجتمع قرّر أن يبقى ظاهراً في المشهد. وحين يفشل الصاروخ في إخلاء الشارع، فهو لا يفشل في مهمة تكتيكية فقط، بل يفشل في الوظيفة الأهمّ للحرب النفسية: كسر الإرادة العامّة.

قيادة في الميدان

الأبلغ في هذا المشهد أنّ كبار المسؤولين لم يكونوا في مكان آخر. لم يظهروا بعد انتهاء الخطر، ولم يكتفوا بخطابات التحدّي من وراء الجدران السميكة. كانوا في وسط الحشود نفسها. والرئيس ووزير الخارجية ومسؤولون بارزون ظهروا في المجال العامّ بينما التهديد قائم والانفجارات تقع في محيط التجمّع. وهذه ليست مجرّد لقطة بروتوكولية أو حركة محسوبة للعلاقات العامّة، بل رسالة سياسية ثقيلة: القيادة لا تطلب من الناس ما لا تقبله لنفسها.

هنا يبرز الفارق الهائل بين نموذجين في السلطة. هناك قادة يقودون الحروب من الملاجئ المحصّنة، ويخاطبون شعوبهم من خلف الخرائط والتحصينات وأنظمة الاعتراض. وهناك قيادة تنزل إلى الشارع في لحظة تهديد، وتقول بالفعل لا بالقول إنّ الخطر مشترك، وإنّ المسافة بينها وبين الناس ليست مسافة أمان ونجاة، بل مسافة مشاركة في الكلفة المعنوية والسياسية. لهذا لم تكن الصورة في طهران مجرّد تعبير عن شجاعة، بل عن طبيعة مختلفة في العلاقة بين الدولة ومجتمعها.

الحماية المعنوية

في تلك اللحظة، لم تبدُ القيادة الإيرانية محمية من شعبها، بل بدت محمية به. وهذه ربما هي الحقيقة الأعمق التي أزعجت خصومها. لأنّ السلطة حين تستمد جزءاً من حصانتها من بقائها وسط الناس، فإنها تعلن أنّ شرعيتها ليست مجرّد مؤسسات وأجهزة، بل رابطة معنوية وسياسية أوسع. أما القادة الذين يلوذون بالملاجئ حين تحتدم النار، فإنهم يرسلون، من حيث لا يريدون، رسالة معاكسة: أنّ الحماية تأتي من الإسمنت والصلب أولاً، لا من الرصيد الشعبي أو الثقة العامّة.

المفارقة هنا فادحة. من يشنّ العدوان باسم “الأمن” يبدو في حاجة دائمة إلى الاختباء، ومن يتعرّض للعدوان يظهر في الشارع بين مواطنيه. هذه المقارنة وحدها كافية لتقول الكثير عن طبيعة الكيانين وطبيعة السلطة في كلّ منهما. أحدهما تحرسه جدرانه وأنظمته الدفاعية وملاجئه، والآخر يحاول أن يستمد جزءاً من مناعته من تلاحم قيادته مع ناسه.

عراقة تحت النار

ما كشفه يوم القدس لا يمكن فهمه من سطح المشهد وحده. فإيران ليست مجتمعاً بلا ذاكرة، ولا دولة نشأت بالأمس. إنها كيان تاريخي وحضاري راكم خبرات الحرب والحصار والعقوبات والتهديد والضغط الطويل. لهذا فإنّ لحظات العدوان الخارجي لا تستدعي فقط الولاء للسلطة، بل تستدعي ما هو أعمق: فكرة البلد، وفكرة السيادة، وفكرة الكرامة الوطنية. وفي مثل هذه اللحظات، قد تتراجع الخلافات اليومية، ويتقدّم السؤال الأكثر جوهرية: من الذي يريد تركيع هذا الكيان، ومن الذي يريد تحويله إلى دولة مذعورة تُدار من خارجها؟

لهذا بدا الشارع الإيراني في يوم القدس وكأنه يستحضر هذه الذاكرة كلّها دفعة واحدة. لم يكن يهتف لفلسطين فقط، بل كان يهتف أيضاً لفكرة أنّ البلد الذي يتعرّض للنار لا يُسلَّم للنار. وكان يقول إنّ الدول العريقة لا تُقاس فقط بما لديها من صواريخ أو مؤسسات، بل بقدرتها على استدعاء مخزونها الحضاري حين تُستهدف في كرامتها وسيادتها. وهذه قراءة تحليلية مني تنطلق من طبيعة المشهد والسياق التاريخي للحرب والضغط على إيران. وتساندها التغطيات التي أظهرت استمرار الحشد رغم الانفجارات، في مقابل تقارير أخرى عن خوف مدنيين ونزوح من المدن، ما يجعل بقاء الشارع حاضراً أكثر دلالة لا أقل.

الخوف لم يحكم

لا أحد يدّعي أنّ إيران بلا خوف أو ألم. تقارير صحافية تحدّثت بوضوح عن قلق المدنيين، وعن نزوح من مراكز حضرية كبرى إلى الأرياف هرباً من القصف، وعن ضغوط نفسية ومعيشية متصاعدة تحت وطأة الحرب. لكنّ قيمة يوم القدس أنه أثبت أنّ وجود الخوف لا يعني استسلام المشهد له. هناك فرق هائل بين مجتمع يخاف ويتراجع، ومجتمع يخاف لكنه يرفض أن يترك الخوف يحتكر الفضاء العامّ. وهذا ما بدا في طهران: الخوف موجود، لكنه لم يصبح سيد الساحة.

وهذا تحديداً ما يخطئ المعتدون في فهمه حين يراهنون على القصف وحده. فالحروب لا تُحسم فقط بكمية النار، بل بقدرة المجتمع المستهدف على الاستمرار في احتلال المجال العامّ سياسياً ومعنوياً. أن تبقى الساحة مأهولة في يوم تهديد، فهذا ليس تفصيلاً. أن يبقى الهتاف قائماً بينما الانفجارات تقع في الجوار، فهذا ليس مجرّد مشهد عاطفي. هذه رسالة تقول: أنتم تضربون، لكنكم لا تحكمون.

فلسطين في قلب المعركة

ولأنّ المناسبة هي يوم القدس، فقد اكتسب المشهد معنى إضافياً بالغ الثقل. فالحشود لم تخرج فقط لتقول إنها متماسكة أمام العدوان، بل خرجت أيضاً لتعلن أنّ الحرب عليها لم تنجح في اقتلاع بوصلتها السياسية. بقيت فلسطين في قلب الهتاف وفي قلب المناسبة، وكأنّ الرسالة المزدوجة تقول: لسنا فقط شعباً تحت النار، بل نحن شعب يرفض أن تجعله النار ينسى موقعه في الصراع الأكبر. وهذا بحدّ ذاته ضربة معنوية أخرى للعدوان؛ لأنه يعني أنّ القصف لم ينجح في تحويل البلد إلى كيان منكفئ على جراحه، بل دفعه إلى إعادة إعلان موقعه السياسي والأخلاقي من قلب الجرح نفسه.

طهران تفضحهم

هكذا، لم يكن يوم القدس في إيران مجرّد يوم حشد، بل يوم سقوط رهان كامل: رهان أنّ الصاروخ يكفي لإخلاء الساحات، وأنّ التهديد يكفي لفصل القيادة عن شعبها، وأنّ الحرب النفسية تستطيع أن تنتزع من المدينة روحها قبل أن تنتزع من أبنيتها حجارتها.

لكنّ الذي حدث في طهران قال العكس كلّه دفعة واحدة: الناس بقوا، والهتاف بقي، والقيادة بقيت في المجال العامّ، فسقط المعنى الذي أراده العدوان، وارتدّ الرعب على أصحابه سياسياً وأخلاقياً.

وبينما يلوذ قادة العدوان بالملاجئ، كانت طهران تقدّم صورتها المضادة بكامل الوضوح: شعب في الشارع، وقيادة في الشارع، ودولة تعرف أنّ أمتن الحصون ليست دائماً من الإسمنت والحديد، بل من الثقة المتبادلة حين يدقّ الخطر أبواب التاريخ.

ذلك هو الدرس الأثقل في ذلك اليوم: أنّ الأمم لا تُهزم حين تتساقط عليها النار، بل حين تُخلي الساحات وتترك الخوف يتكلم باسمها. أما طهران، في يوم القدس، فلم تُخلِ الساحة… بل ملأتها أكثر، ورفعت المعنى أعلى، وقالت للمعتدي إنّ المدينة التي تحتمي بشعبها أصعب كسراً من كلّ حساباته. والاستنتاج الأخير هنا تحليلي، لكنه متسق مع الوقائع الموثّقة عن بقاء الحشود وظهور القيادات في مكان التجمّع رغم الانفجارات.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى