اخر الأخباراوراق المراقب

الإسراء والمعراج في منظور شمولي للعقيدة والتربية

صباح الصافي..

تُعدُّ حادثة الإسراء والمعراج من أعظم الوقائع المفصليَّة في السِّيرة النَّبويَّة الشَّريفة، لا من حيث طابعها الإعجازي فحسب؛ بل لما تختزنه من أبعاد عقديَّة وتشريعيَّة وتربويَّة عميقة. فهي تمثِّل تجسيدًا حيًّا لطبيعة العلاقة بين عالم الملكوت والأرض في الرُّؤية الإسلاميَّة.

ومن هنا تقضي القراءة المنهجيَّة للمعراج الجمع بين الغايتينِ: النَّظر إليه بوصفه واقعة خارقة تثبت القدرة الالهيَّة، وتحليله باعتباره خطابًا إلهيًّا غنيًّا بتعدد الدَّلائل والمعاني، يسهم في بناء الإنسان، وترسيخ أُصول المجتمع الرِّسالي، وإعادة صياغة المفاهيم المرتبطة بالتَّكليف، والعبوديَّة، والارتباط بالغيب.

وانطلاقًا من هذا الفهم، سنحاول تقديم قراءة علميَّة تحليليَّة لحادثة المعراج، عبر تحليل النُّصوص الواردة فيها وتقسيمها إلى محاور دلاليَّة، تُظهر الوظيفة التَّربويَّة والحضاريَّة للمعراج، وتكشف عن دوره في صناعة الإنسان الواعي، لا في حدود السَّرد التَّاريخي.

وفي هذه الليلة، شهدت السِّيرة المحمديَّة حدثًا عظيمًا تجلَّت فيه عناية الله (تعالى) بنبيِّه الأعظم محمَّد (صلَّى الله عليه وآله)؛ إذ أُسري به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، ثمَّ عُرج به إلى السَّماوات العُلا في رحلةٍ سماويةٍ مباركة كشفت عن مقامه الرَّفيع وكرامته عند الله (سبحانه). قال الله (تعالى): (سُبْحَانَ الّذِي أَسْرَىَ بِعَبْدِهِ لَيْلاً مّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَىَ الْمَسْجِدِ الأقْصَى الّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَآ إِنّهُ هُوَ السّمِيعُ البَصِيرُ).

وروي عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنَّه قال: “لَمَّا كَانَ بَعْدَ ثَلَاثِ سِنِينَ مِنْ مَبْعَثِهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) أُسْرِيَ بِهِ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَعُرِجَ بِهِ مِنْهُ إِلَى السَّمَاءِ لَيْلَةَ الْمِعْرَاجِ، فَلَمَّا أَصْبَحَ مِنْ لَيْلَتِهِ حَدَّثَ قُرَيْشًا بِخَبَرِ مِعْرَاجِهِ”، وقال الإمام الصَّادق (عليه السلام): “مَنْ أَنْكَرَ ثَلَاثَةَ أَشْيَاءَ فَلَيْسَ مِنْ شِيعَتِنَا: الْمِعْرَاجَ، وَالْمُسَاءَلَةَ فِي الْقَبْرِ، وَالشَّفَاعَةَ”.

وقصَّة المعراج بإيجاز: إنَّ النَّبي محمَّدًا (صلَّى الله عليه وآله) كان بمكَّة، فصلَّى المغرب في المسجد الحرام، ثمَّ أسري به في ليلته إلى بيت المقدس، ومنه عرج به إلى السَّماء، ثمَّ رجع فصلَّى الصُّبح في المسجد الحرام.

وقد وردت روايات كثيرة في قصَّة المعراج، ورواه كثير من الصحابة وأئمَّة أهل البيت (عليهم السلام)؛ قال رسول الله (صلَّى الله عليه وآله): “أَتَانِي جِبْرَائِيلُ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) وَأَنَا بِمَكَّةَ، فَقَالَ: قُمْ يَا مُحَمَّدُ، فَقُمْتُ مَعَهُ وَخَرَجْتُ إِلَى الْبَابِ، فَإِذَا بِجِبْرَائِيلَ وَمَعَهُ مِيكَائِيلُ وَإِسْرَافِيلُ. فَأَتَى جِبْرَائِيلُ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) بِالْبُرَاقِ، فَقَالَ: “ارْكَبْ، فَرَكِبْتُ وَمَضَيْتُ حَتَّى انْتَهَيْتُ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ”.

إلى أن قال (صلَّى الله عليه وآله): “فَلَمَّا انْتَهَيْتُ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، إِذَا مَلَائِكَةٌ نَزَلَتْ مِنَ السَّمَاءِ بِالْبِشَارَةِ وَالْكَرَامَةِ مِنْ عِنْدِ رَبِّ الْعِزَّةِ، وَصَلَّيْتُ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ. ثُمَّ أَخَذَ جِبْرَائِيلُ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) بِيَدِي إِلَى الصَّخْرَةِ فَأَقْعَدَنِي عَلَيْهَا، فَإِذَا مِعْرَاجٌ إِلَى السَّمَاءِ لَمْ أَرَ مِثْلَهُ حُسْنًا وَجَمَالًا، فَصَعِدْتُ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، وَرَأَيْتُ عَجَائِبَهَا وَمَلَكُوتَهَا، وَمَلَائِكَتُهَا يُسَلِّمُونَ عَلَيَّ، ثُمَّ صَعِدَ بِي جِبْرَائِيلُ إِلَى السَّمَاءِ الثَّانِيَةِ، فَرَأَيْتُ فِيهَا عِيسَى بْنَ مَرْيَمَ، وَيَحْيَى بْنَ زَكَرِيَّا، ثُمَّ صَعِدَ بِي إِلَى السَّمَاءِ الثَّالِثَةِ، فَرَأَيْتُ فِيهَا يُوسُفَ، ثُمَّ صَعِدَ بِي إِلَى السَّمَاءِ الرَّابِعَةِ، فَرَأَيْتُ فِيهَا إِدْرِيسَ، ثُمَّ صَعِدَ بِي إِلَى السَّمَاءِ الْخَامِسَةِ، فَرَأَيْتُ فِيهَا هَارُونَ، ثُمَّ صَعِدَ بِي إِلَى السَّمَاءِ السَّادِسَةِ، فَإِذَا فِيهَا خَلْقٌ كَثِيرٌ يَمُوجُ بَعْضُهُمْ فِي بَعْضٍ، وَفِيهَا الْكَرُوبِيُّونَ، ثُمَّ صَعِدَ بِي إِلَى السَّمَاءِ السَّابِعَةِ، فَأَبْصَرْتُ فِيهَا خَلْقًا وَمَلَائِكَةً، ثُمَّ جَاوَزْنَاهَا مُتَصَاعِدِينَ إِلَى أَعْلَى عِلِّيِّينَ”.

إلى أن قال: ” ثُمَّ كَلَّمَنِي رَبِّي وَكَلَّمْتُهُ، وَرَأَيْتُ الْجَنَّةَ وَالنَّارَ، وَرَأَيْتُ الْعَرْشَ وَسِدْرَةَ الْمُنْتَهَى، ثُمَّ رَجَعْتُ إِلَى مَكَّةَ، فَلَمَّا أَصْبَحْتُ حَدَّثْتُ بِهِ النَّاسَ، فَكَذَّبَنِي أَبُو جَهْلٍ وَالْمُشْرِكُونَ”.

قال مطعم بن عدي: “أتزعم أنَّك سرت مسيرة شهرينِ في ساعة، أشهد أنَّك كاذب”، ثمَّ قالت قريش: “أخبرنا عمَّا رأيت”. فقال: “مَرَرْتُ بِناقةِ بَنِي فُلَانٍ، وَقَدْ أَضَلُّوا بِعِيرًا لَهُمْ وَهُمْ فِي طَلَبِهِ، وَفِي رحْلِهِمْ قِعْبٌ مَمْلُوءٌ مِنَ مَاء فَشَرِبْتُ الْمَاءَ، ثُمَّ غَطَّيْتُهُ كَمَا كَانَ”. فَسَأَلُوهُمْ: “هَلْ وَجَدْتُمْ الْمَاءَ فِي الْقِدْحِ؟”.

قالوا: “هذه آية واحدة”.

قال: ” وَمَرَرْتُ بأرض بَنِي فُلَانٍ، فَنَفَرَتْ بِكْرَةُ فُلَانٍ فَانْكَسَرَتْ يَدُهَا، فَسَأَلُوهُمْ عَنْ ذَلِكَ”.

فقالوا: “هذه آية أخرى”.

قالوا: فأخبرنا عن قافلتنا؟

قال: “مَرَرْتُ بِهَا بِالتَّنْعِيمِ، تَقَدَّمَهَا جَمَلٌ أَوْرَقٌ (أي: أحمر)، عَلَيْهِ قَرَارَتَانِ مُحِيطَتَانِ، وَيَطْلُعُ عَلَيْكُمْ عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ”.

قالوا: “هذه آية أخرى” ثمَّ خرجوا يشتدون نحو التيه وهم يقولون: “لقد قضى محمَّد بيننا وبينه قضاءً بيِّنًا، وجلسوا ينتظرون حتَّى تطلع الشَّمس فيكذبوه. فقال قائل: “والله إنَّ الشَّمس قد طلعت”. وقال آخر: “والله هذه الإبل قد طلعت يقدمها بعير أورق، فبهتوا ولم يؤمنوا، وكان كما أخبرهم رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) بقصة القافلة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى