بين ساحتين


غسان عباس محسن
المسافة بين إدراك المرء كونه يعيش في غابة سوداء تتخللها نقاط بيض ضئيلة لسلطة مهترئة كالمسافة بين شرطي وآخر وقفا بين ساحتين مهمتين من أجل نشر خيوط أمان مترهل وهزيل في تلك المدينة. وفيما كان عبد المؤمن يحث خطاه منطلقا من الساحة الاولى باتجاه الساحة الثانية من أجل الوصول الى المكان الذي كان يقصده في أسرع وقت صار يسير بسرعة من أجل الوصول الى هدفه في الوقت المحدد بعد ان أصبح إحساسه بالوقت عاليا.
وبرغم أنه كان يصب معظم تفكيره في تلك الاثناء على ذلك الهدف الذي كان يروم الوصول إليه الا أنه لم يجد ضيرا من ملاحظة بعض ما كان في ذلك الشارع من أشياء ومعالم، فانتبه الى ان هناك بعض المارة، كما كان هناك عدد من عمال البناء الذين انشغلوا بترميم احدى العمارات القريبة.
حاول عبد المؤمن ان يتجنب المشي على ذلك الرصيف خشية من سقوط بعض مواد البناء على راسه فوجد نفسه فجأة يسير بمحاذاة عدد من الشبان، ومنذ الوهلة الاولى التي أبصرهم فيها لم يشعر عبد المؤمن بالاطمئنان لهم وذلك من مظهر أولئك الشبان ومن كلامهم، فقد سمعهم وهم يتبادلون الشتائم، فيما كان أحدهم يقسم لأصدقائه على أنه لم يفعل ما كانوا ينسبونه إليه. وبرغم استعجال عبد المؤمن الا أنه أحس بحركة غريبة منهم، فقد تقدم اثنان منهم فيما تخلف الاخرون وراءهما، وفي لحظات أحس بان سرعة من كانوا خلفه صارت تزداد شيئا فشيئا حتى أصبحت كالسرعة التي كان يمشي فيها، وكشعور الغزال الذي أحاط به خطر مجموعة من الضباع صار شعوره وهو يرى أن الاثنين قد توقفا أمامه فجأة بحجة النظر على بضاعة معروضة في احدى الدكاكين. وأدرك عبد المؤمن أن رئيس تلك المجموعة كان يريد حصول أي احتكاك جسدي بينهم وبينه من أجل أن يقوم بسرقة ما كان في جيوبه، فأطبقت كف عبد المؤمن على تلك المحفظة الجلدية التي كانت في جيبه وتسمر في مكانه وهو ينظر في عيني ذلك الشخص الذي أدرك في تلك اللحظة بأن من كان يقف أمامه لم يكن صيدا سهلا فتنحى جانبا وهو يخاطبه بقوله:
ـ آسف حبيبي.



