ساعة خروج الإنسان من القبر من أصعب وأوحش الساعات


يقول سبحانه في النفخة الثانية وهي نفخة الإحياء “ونفِخ فِي الصّورِ فإِذا همْ مِن الأجْداثِ إِلى ربِّهِمْ ينْسِلون * قالوا يا ويْلنا منْ بعثنا مِنْ مرْقدِنا هذا ما وعد الرّحْمن وصدق الْمرْسلون” إنّ ساعة خروج الإنسان من القبر هي إحدى الساعات الثلاث التي عدّتها الروايات الشريفة من أصعب وأوحش الساعات على أبناء آدم، فقد جاء في الرواية عن الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام: “إنّ أوحش ما يكون هذا الخلق في ثلاثة مواطن: يوم يولد ويخرج من بطن أمه فيرى الدنيا. ويوم يموت فيرى الآخرة وأهلها ويوم يبعث فيرى أحكاما لم يرها في دار الدنيا وقد سلّم الله عزّ و جلّ على يحيى في هذه الثلاثة المواطن، وآمن روعته فقال: “وسلامٌ عليْهِ يوْم ولِد ويوْم يموت ويوْم يبْعث حيّا” ، وقد سلّم عيسى إبن مريم عليه السلام على نفسه في هذه المواطن الثلاثة فقال: “والسّلام عليّ يوْم ولِدتّ ويوْم أموت ويوْم أبْعث حيّا””.وروِى عن الإمام علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليه السلام “أشدّ ساعات ابن آدم ثلاث ساعات: الساعة التي يعاين فيها ملك الموت، والساعة التي يقوم فيها من قبره، والساعة التي يقف فيها بين يدي الله تبارك وتعالى، فإمّا إلى الجنّة وإمّا إلى النار” .وعند النشر تعود الأرواح إلى أجسادها، وبعد أن تنبت الأجساد يأمر الله إسرافيل فينفخ في الصور، فتعود الأرواح إلى أجسادها، تدخل كلّ روح في جسدها، فيقوم الناس فينفضون التراب عن رؤوسهم. والبعث والحشر حق ثابت بالكتاب والسنة وإجماع المسلمين، قال الله تعالى: “قلْ بلى وربِّي لتبْعثنّ”.فيحشر اللـه سبحانه الخلق جميعا، ولا يتخلف أحد، قال سبحانه وتعالى: “إِن كلّ من فِي السّماواتِ والْأرْضِ إِلّا آتِي الرّحْمنِ عبْدا * لقدْ أحْصاهمْ وعدّهمْ عدّ* وكلّهمْ ءاتِيهِ يوْم الْقِيامةِ فرْد* إِنّ الّذِين ءامنوا وعمِلوا الصّالِحاتِ سيجْعل لهم الرّحْمن ودّا” فلا يتخلف مخلوق، فلقد أحصى الله الخلق من لدن آدم إلى آخر رجل قامت عليه القيامة، فهم ينطلقون جميعا وراء هذا الداعي الكريم الذي جاء ليقود الخلق جميعا إلى المحشر.والناس يومئذ على ثلاثة أقسام: يقول سبحانه: “وكنتمْ أزْواجا ثلاثة”.أطلق عليها لفظ أزواج لكون أصناف الناس في القيامة والحشر والنشر متقارنة مع بعضها وحول القسم الأوّل يحدّثنا القرآن الكريم بقوله: “فأصْحاب الْميْمنةِ ما أصْحاب الْميْمنة”. والمقصود من أصحاب الميمنة هم الأشخاص الذين يعطون صحيفة أعمالهم بأيديهم اليمنى، أو أنّ كلمة (ميمنة) من مادّة (يمن) التي أخذت من معنى السعادة، وعلى هذا التّفسير فإنّ القسم الأوّل هم طائفة السعداء وأهل الحبور والسرور.أمّا المجموعة الثانية فهم أصحاب المشأمة، قال تعالى: “وأصْحاب الْمشْأمةِ ما أصْحاب الْمشْأمةِ” ، حيث الشؤم والتعاسة، وتسلم صحائف أعمالهم بأيديهم اليسرى التي هي رمز سوء عاقبتهم وعظيم جرمهم وجنايتهم.أمّا المجموعة الثالثة فقد أشار إليها بقوله سبحانه: “والسّابِقون السّابِقون * أوْلئِك الْمقرّبون * فِي جنّاتِ النّعِيمِ .(السابقون) ليسوا الذين سبقوا غيرهم بالإيمان فحسب، بل في أعمال الخير والأخلاق والإخلاص، فهم أسوة وقدوة وقادة للناس. وهذه الكلمة (السابقون) تشمل جميع هذه الأعمال، والطاعات وغيرها.وجاء في الحديث أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: “أتدرون من السابقون إلى ظلِّ الله في يوم القيامة؟ فقال أصحابه: الله ورسوله أعلم، قال صلى الله عليه وآله وسلم: “الذين إذا أعطوا الحقّ قبلوه، وإذا سألوه بذلوه، وحكموا للناس كحكمهم لأنفسهم” وجاء في بعض الرّوايات أيضا أنّ المقصود بـ (السابقون) هم الأنبياء المرسلون وغير المرسلين.وعن ابن عبّاس أنّه قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حول هذه الآية فقال: “هكذا أخبرني جبرائيل، ذلك عليٌّ وشيعته، هم السابقون إلى الجنّة، المقرّبون من الله لكرامته لهم” .قال الإمام أمير المؤمنين عليه السلام:”وذلك يومٌ يجمع الله فيه الأوّلين والآخرين لنقاش الحِساب وجزاءِ الأعمال خضوعا قياما قد ألجمهم العرق ورجفت بِهِم الأرض فأحسنهم حالا من وجد لِقدميهِ موضِعا ولِنفسِهِ متّسعا” . عن الإمام الصادق عليه السلام: “مثل الناس يوم القيامة إذا قاموا لربِّ العالمين مثل السهم في القِرب ليس له من الأرض إلاّ موضع قدمه كالسهم في الكنانة لا يقدر أن يزول ها هنا ولا ها هنا” فكما أنّه في موضع السهم في الكنانة لا يوجد مجالٌ ليتحرك في كنانته لضيقها، فكذلك ضيق الإنسان في ذلك اليوم فلا يستطيع أن يتحرك عن موضع قدمه فليست لديه القدرة على ذلك. أشارت الروايات الشريفة إلى أصناف من الناس لهم حالات خاصة عند الخروج من القبور للحشر، وذلك نتيجة أعمال ارتكبوها في الدنيا، ومن هؤلاء:الشاكّ في فضل علي بن أبي طالب عليه السلام مانعو حقِّ الله , النمّامون, شارب الخمر وذو الوجهين واللسانين وكما في كل موقف من مواقف القيامة والبرزخ ما يهوِّنه، فإنّ للمحشر وهوله ما يهوِّنه أيضا، حيث دلّتنا الروايات على أعمالٍ مهمة نافعة منها تشييع الجنائز وتنفيس كربة مؤمن وإدخال السرور على قلبه وكسوة المؤمن والدعاء في شهر رمضان المبارك.



