الذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا
قال تعالى “وَالذِينَ جَاهَدوا فِينَا لَنَهْدِيَنهمْ سبلَنَا وَإِن الله لَمَعَ الْمحْسِنِينَ” لا بد للإنسان السالك إلى الله أن يعلم أنه لم يخلق لأجل هذه الدنيا الدنية، وإنما هو مخلوقٌ شريفٌ، أكرمه الله وشرفه بالعديد من المنازل والمقامات، فخلقه في أحسن تقويم، وزينه بالعقل، واستخلفه في الأرض، ليكون مثالاً لله في أسمائه وصفاته، سالكاً سبيل أوليائه وأنبيائه عليهم السلام. وطالباً منه الرجوع إليه بنفسٍ مطمئنة وقلب سليمٍ؛ ليدخل في جملة عباده وليسكنه الفسيح من جنانه، التي أعدها للمحسنين والمتقين”فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مقْتَدِرٍ”، مجاوراً لقربه الذي هو غاية الغايات والهدف الأسمى لخلق الإنسان ووجوده.ومن هنا كان ابتلاؤنا بعالم الدنيا ووساوس الشيطان والنفس الأمارة، والطريق طويل طويل، والبحر عميق عميق، فلا بد من تهيئة الزاد والوسيلة، من أجل هذا السفر الشاق والمليء بالمخاطر والمصاعب، قال تعالى:”يَا أَيهَا الْإِنْسَان إِنكَ كَادِحٌ إِلَى رَبكَ كَدْحًا فَملَاقِيهِ” ولذا فقد عبّر علماؤنا في الأخلاق والسلوك عن الطريق إلى الله؛ بأنها طريق ذات الشوكة، وعن عملية التربية والتهذيب للنفس؛ بأنها “رياضة”، يروض الإنسان فيها نفسه الجامحة الأمارة بالسوء، ليكبح جماحها وطغيانها، وليتحرر من أسرها وأغلالها ورق العبودية لها، ولشيطانها الذي:”قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعدَن لَهمْ صِرَاطَكَ الْمسْتَقِيمَ ثم لَآَتِيَنهمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِد أَكْثَرَهمْ شَاكِرِينَ” ومن أجل الوصول إلى مقام العبودية والتقرب إلى الله وتحصيل رضوانه الأكبر، لا بد من الجهاد في سبيله عن مجاهدة النفس وبذل الوسع في تزكيتها، الذي هو الجهاد الأكبر، فقد روي عن رسول الله صلى الله عليه و آله وسلم أنه قال لأصحابه بعد أن رجعوا من ميدان جهاد أعداء الله:”مرحباً بقومٍ قضوا الجهاد الأصغر وبقي عليهم الجهاد الأكبر، فقيل يا رسول الله ما الجهاد الأكبر؟، قال:جهاد النفس” وجهاد النفس: هو تزكيتها وتطهيرها بتخليتها من الرذائل والأخلاق القبيحة، وتحليتها بالفضائل والصفات والأخلاق الحسنة، وذلك ما يحقق السعادة الدنيوية والأخروية، إذ لا نجاة إلا بالطاعة لله وعدم معصيته، ولا يتيسر ذلك إلا من خلال التفقه بالدين وطلب العلم، قال الإمام الكاظم عليه السلام:”لا نجاة إلا بالطاعة، والطاعة بالعلم، والعلم بالتعلم، والتعلم بالعقل يعتقد (يعتقل)، ولا علم إلا من عالمٍ رباني ومعرفة العلم (العالم) بالعقل” ومن هنا تأتي أهمية التعرف على الذنوب، وآثارها الخطيرة المهلكة للإنسان في الدنيا والآخرة، والمانعة له من النجاة ودخول الجنة، والسالكة به إلى النار أعاذنا الله منها.فالذنب لغة: الإثم والجرم والمعصية.واصطلاحاً: ترك المأمور به من الله، وفعل المنهي عنه، وبعبارة أخرى أن لا يراك الله حيث نهاك، وأن لا يفتقدك حيث أمرك.والمأمور به من الله عزّ و جلّ إما أن يكون واجباً أو مستحباً، والمنهي عنه منه أيضاً إما أن يكون محرماً أو مكروهاً، والمراد منهما في مقام الذنب، هو ترك الواجب وفعل المحرم، وهذا في حده الأدنى مرتبة العوام، وأما الذنب الذي ينسب إلى الأنبياء عليهم السلام والأولياء سواء في القرآن الكريم أم الروايات الشريفة أو الأدعية، فهو مرتبة أخرى أحد تفاسيرها ترك الأولى، لأنهم يعدّون أي التفاتٍ عن معبودهم وساحة قدسه ذنباً يستغفرون الله منه.ولا بد من الإشارة إلى أن معصومين مخلصين من الله عزّ و جلّ، قد حصنهم بملكة نفسانية قوية تمنعهم باختيارهم من ارتكاب المعصية، بل والتفكير بها أيضاً لعلمهم بقبحها ومدى خطورتها وتأثيرها.ورغم ابتلاء الإنسان بالشيطان الذي أقسم”قَالَ فَبِعِزتِكَ لَأغْوِيَنهمْ أَجْمَعِينَ” ، إلا أن الحق تعالى أجابه بأن لا سبيل لك على من تقرب إلي، واعتصم بي،”إن اللهَ مَعَ الذِينَ اتقَوْا وَالذِينَ همْ محْسِنونَ” ، وقال تعالى”إِن اللهَ يدَافِع عَنِ الذِينَ آَمَنوا إِن اللَهَ لَا يحِب كل خَوانٍ كَفورٍ”. إن من يلاحظ القرآن الكريم والروايات الشريفة الواردة عن أهل البيت عليهم السلام يجد بوضوح آثاراً مهلكةً وخطيرةً للذنوب والمعاصي، في العوالم الثلاثة:عالم الدنيا، وعالم البرزخ، وعالم الآخرة.ولا بد من التذكير بأن الذنب بمثابة السم القاتل أو دون ذلك، والخطير في هذا المجال هو عدم ارتباط التأثير والهلاك بمسألة العلم والجهل، ولذا فإن من يرتكب الذنب يترتب عليه الأثر الوضعي والتكويني، ويؤثر ذلك في قلبه وجسمه وماله وولده وغير ذلك، حتى لو كان جاهلاً بأثر الذنب، تماماً كمن يجهل بأثر السم، وهذا ما يدعونا للابتعاد عن المعصية والحذر من آثارها.



