موجة الحر تكشف هشاشة المنظومة الكهربائية وتنعش المولدات الأهلية

رغم الوعود الحكومية المتكررة بتحسينها
المراقب العراقي/ أحمد سعدون..
عاد ملف الكهرباء إلى واجهة الأحداث مع تصاعد موجة الحر وبلوغ درجات الحرارة مستويات قياسية في معظم المحافظات العراقية، وسط تراجع ساعات التجهيز وارتفاع فترات القطع المبرمج، الأمر الذي أعاد مشاهد الغضب الشعبي والاحتجاجات على سوء الخدمات الأساسية، وفي مقدمتها الطاقة الكهربائية.
ومع تفاقم الأزمة، لجأت الحكومة إلى حلول مؤقتة اعتاد عليها العراقيون خلال السنوات الماضية، تمثلت بدعم المولدات الأهلية لتعويض النقص الحاصل في منظومة الكهرباء الوطنية، وكان آخرها قرار مجلس الوزراء الذي أكد تجهيز أصحاب المولدات الأهلية بمادة زيت الغاز (الكاز) مجاناً بواقع 45 لتراً لكل “كي في” خلال شهري تموز وآب المقبلين، ضمن إجراءات تهدف إلى تخفيف آثار الانقطاعات خلال أشهر الصيف.
كما اشترط القرار الحكومي ألا تقل ساعات تشغيل المولدات الأهلية عن 20 ساعة يوميًا، لضمان استمرار الخدمة للمواطنين والحد من تداعيات تراجع التجهيز الوطني، في وقت تشهد فيه العديد من المناطق انخفاضاً ملحوظاً في ساعات تجهيز الكهرباء الحكومية.
ويرى مراقبون، أن أزمة الكهرباء باتت تتكرر بصورة سنوية دون أن تشهد حلولًا جذرية، إذ تعود الحكومات المتعاقبة مع كل صيف إلى الوعود ذاتها بشأن تطوير القطاع وتحسين الإنتاج، إلا أن تلك الوعود تتراجع مع انحسار موجات الحر، ليبقى الواقع الخدمي على حاله من دون تقدم ملموس في مشاريع الإنتاج أو النقل والتوزيع.
وأكد مختصون في الشأن الاقتصادي، أن العراق أنفق على قطاع الكهرباء عشرات المليارات من الدولارات خلال السنوات الماضية، وهي مبالغ كان من الممكن أن تؤسس لمنظومة طاقة متطورة وقادرة على تلبية احتياجات السكان، إلا أن الأزمة ما تزال تتكرر مع بداية كل موسم صيف، ما يثير تساؤلات واسعة حول جدوى الإنفاق وآليات إدارة هذا الملف الحيوي.
ولفتوا إلى أن ملف الكهرباء تحول من قضية خدمية إلى ساحة للصراعات والتجاذبات السياسية، نتيجة ارتباطه بالمحاصصة والمساومات الحزبية، وهو ما انعكس سلباً على كفاءة الإدارة والتنفيذ، كما أن قضايا الفساد التي تظهر بين الحين والآخر وفي هذا القطاع بالخصوص، تعزز الشكوك باستحالة إصلاح هذا القطاع المهم والحيوي.
وفي ظل استمرار الأعطال وتراجع الإنتاج، تتكرر التبريرات الرسمية المرتبطة بانخفاض إمدادات الغاز المستورد، وارتفاع الأحمال، وزيادة التجاوزات على الشبكة الوطنية، بينما يبقى المواطن المتضرر الأول من الأزمة، سواء من خلال انقطاع الكهرباء أو ارتفاع أجور المولدات الأهلية التي أصبحت عبئاً اضافياً على الأسر العراقية.
ومن جانب آخر، أكد النائب السابق محمد الشبكي في حديث لـ”المراقب العراقي”، أن “ملف الطاقة الكهربائية يعد من أكثر الملفات تعقيداً أمام الحكومات العراقية المتعاقبة، مشيراً إلى أن هذا القطاع لم يعد مجرد ملف خدمي، بل تحول إلى قضية سياسية وسيادية تتداخل فيها عوامل وضغوط أمريكية أثرت بشكل مباشر على مسار معالجته”.
وأضاف الشبكي، إن “ملف الكهرباء يخضع لتأثيرات وإرادات خارجية، وعلى رأسها واشنطن، التي تستخدم هذا الملف كورقة ضغط لفرض إملاءات على الحكومات العراقية، الأمر الذي حدَّ من قدرة أية حكومة على اتخاذ قرارات مستقلة وحاسمة لإنهاء الأزمة المزمنة.”
وأضاف، أنه “من الضروري أن تكون هناك مصارحة واضحة بين الحكومة والشعب العراقي بشأن حقيقة التحديات التي تواجه هذا القطاع، لافتاً إلى أن ملف الكهرباء أصبح خارج السيطرة الكاملة للحكومات العراقية نتيجة تشابك العوامل السياسية والإقليمية والدولية المؤثرة فيه”.
وأشار إلى أن “تداعيات تراجع تجهيز الطاقة الكهربائية لم تقتصر على الجانب الخدمي فحسب، بل امتدت لتؤثر بشكل مباشر على الواقع المعيشي للمواطنين، من خلال زيادة الأعباء المالية وارتفاع الاعتماد على المولدات الأهلية، فضلاً عن انعكاساتها السلبية على مختلف الأنشطة الاقتصادية والخدمية”.
ومع كل صيف جديد، تتجدد معاناة العراقيين مع أزمة تبدو بلا نهاية، في وقت تتزايد فيه المطالب بإيجاد حلول استراتيجية حقيقية تنهي سنوات من الإخفاقات، وتضع حدًا لمعاناة المواطنين الذين مازالوا ينتظرون خدمة كهرباء مستقرة تواكب حجم الأموال التي أُنفقت على هذا القطاع طوال العقود الماضية.



