اخر الأخباراوراق المراقب

عبقريةُ الامام الحسن “ع”.. استراتيجيةُ الحكمِ الرشيدِ في زمنِ الانكسارات

في المنظور الفكري المعاصر، يُعرّف الحكم الرشيد بقدرة القيادة على اتخاذ قرارات مصيرية تحمي الأمن القومي للأمة في لحظات التداعي. لم يكن قرار الإمام الحسن (عليه السلام) بالمهادنة نابعاً من ضعفٍ عسكري، بل كان ممارسة لـ الولاية الحكيمة التي ترى ما لا يراه المحكومون المحكومون بالعاطفة. 
لقد أدرك الإمام أنَّ الجيش الذي اختلطت فيه العقائد بين الخوارج والمصلحيين والشاكين لم يعد أداةً صالحةً لتحقيق نصرٍ إلهي، بل سيتحول إلى مقتلةٍ تُبيدُ بقية السيف من شيعة أبيه وخيرة أصحاب جده. هنا يتجلى الإيثار السياسي في أبهى صوره؛ حيث ضحّى الإمام بمقامه في السلطة الزمنية لإنقاذ الوجود الوجودي للأمة.
إنَّ هذا المنهج يمثل اليوم ضرورة قصوى في ظل الحروب العبثية التي تمزق الجغرافيا الإسلامية؛ فالحاكم الرشيد هو من يمتلك الشجاعة الأخلاقية لقول لا للحرب حين تكون الحرب وبالاً على المستضعفين، وهو من يستطيع كبح جماح الشعارات الرنانة لحساب النتائج الواقعية. 
إنَّ استراتيجية الحسن (عليه السلام) تعلّمنا أنَّ السلام الشجاع يتطلب قوة نفسية تفوق قوة خوض المعارك، لأنه سلام يواجه اتهامات الداخل وتشكيك القريب قبل غدر العدو. في واقعنا، نحن بحاجة لترسيخ هذه الثقافة التي تعتبر حفظ الإنسان أغلى من رمزية الكراسي، واعتبار التراجع التكتيكي جزءاً من الانتصار الاستراتيجي طويل الأمد الذي يحفظ للأمة قدرتها على النهوض مجدداً.
لم يكن صلح الامام الحسن مجرد صك تنازل، بل كان مشروعاً دستورياً متكاملاً يهدف إلى وضع السلطة القائمة تحت مجهر الاختبار القانوني والأخلاقي. ان الإمام الحسن لم يسلّم الأمر لمعاوية تسليماً مطلقاً، بل قيّده بشروط في جوهرها: (العمل بالكتاب والسنة، كف الأيدي عن الشيعة، وإلغاء التوريث السياسي). هذه الشروط لم تكن مجرد أماني، بل كانت اختبارا كشفت لاحقاً طبيعة الحكم الأموي الاستبدادي. حين نكث معاوية بعهوده سقطت عنه الشرعية السياسية أمام الرأي العام التاريخي، وتحول من خليفة إلى متغلب بالسيف.
هذا الدرس يمثل جوهر الرقابة السياسية في الأنظمة الحديثة. إنَّ كيفية استثمار هذه الاستراتيجية اليوم تكمن في تفعيل دور المواثيق الوطنية كأداة لتعرية الأنظمة الشمولية. إنَّ المعارضة الرشيدة أو الحكم الرشيد هو الذي يلزم الخصم بعهود مكتوبة أمام المجتمع الدولي والمحلي، فإذا نكثها، كان ذلك إيذاناً بسقوطه الأخلاقي الذي هو مقدمة للسقوط السياسي. 
لقد حوّل الإمام الحسن الصلح إلى محاكمة تاريخية ممتدة، أثبتت أنَّ السلطة التي لا تحترم مواثيقها هي سلطة غاصبة فاقدة للأهلية. في عالمنا المعاصر، استثمار هذا النهج يعني الانتقال من صدام السلاح إلى صراع القوانين والمواثيق، حيث تُنتزع الشرعية عبر الحجة والبرهان والالتزام بالعهود، مما يؤسس لوعي جماهيري يرفض الاستبداد لا بالعنف فحسب، بل بالوعي الحقوقي والقانوني المتراكم.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى