اراء

فائض الإرادة يواجه فائض القوة

بقلم: عماد الحطبة..

في سياق الحزن على استشهاد الإمام القائد علي خامنئي يرى البعض أنّ بقاءه في مكتبه ومنزله، في ظلّ معرفته باحتمال حدوث حرب، كان خطأ يمكن تفاديه.

الحوار نفسه سمعناه في كلّ مرة أقدم فيها العدو على اغتيال قادة المقاومة، وسط سيناريوهات عن الخيانة، وأخرى عن التفوّق الاستخباري للعدو. مثل كلّ المؤمنين بخيار المقاومة، والمحبّين لقادتها كنت أتمنى لو أنّ قادة عظاماً مثل السيد خامنئي، والجنرال قاسم سليماني، والسيد حسن نصر الله، اتخذوا إجراءات أمنية أكثر صرامة للحفاظ على حياتهم، لكنّ الأمر أبسط من ذلك بكثير.

العقيدة الحسينية التي ترتكز عليها المقاومة تقوم في جوهرها على مبدأ الشهادة في ظروف الصمود والتحدّي. إنّ من يفهم الشعار الذي رفعه هؤلاء القادة، وردّدته من ورائهم الجماهير “هيهات منّا الذلة” ليس مجرّد استعادة لذكرى استشهاد الإمام الحسين بن علي، بل هو استلهام التجربة الحسينية من الصمود المستحيل، والاستشهاد في سبيل الهدف. لقد أدرك هؤلاء القادة أنّ الاستشهاد لن يحقّق هدفه العقائدي إلا إذا كان في خندق المقاومة والصمود. هذا الإيمان منح قادة المقاومة هذه الرمزية التي تتجاوز الحضور الجسدي، لتصبح امتداداً لفكرة الفداء الحسيني.

النجاح الأهمّ كان خروج المواطنين الإيرانيين إلى الشوارع في عدة مدن، ليس لرثاء قائدهم الراحل فحسب، لكن لحماية نظامهم السياسي من مجموعات العملاء وأعداء الداخل.

أستطيع القول إنّ خروج الشعب لحماية قادته ليس أمراً مألوفاً في عالمنا، ولم يحدث ما يشبهه في تأريخ منطقتنا إلا عندما خرج الشعب المصري لدعم الراحل جمال عبد الناصر بعد خطاب التنحّي. ما يفعله الشعب الإيراني اليوم استفتاء ديمقراطي ومباشر، يفيد بأنّ النظام السياسي الحاكم يمثّل طموحات ومصالح غالبية الشعب الإيراني.

هذا الإنجاز السياسي للدولة الإيرانية، دفع الرئيس الأمريكي للتراجع عن فكرة تغيير النظام، وتأليف قصة عن الحوار مع القيادة الجديدة، التي طلبت الحوار بحسب الرئيس ترامب، وأنه وافق على ذلك، لكنّ قصته انهارت أمام تصميم الصحافي على معرفة موعد بدء المفاوضات. لم تكن هذه القصة سوى سلّم احتياطي يستعمله ترامب للنزول عن الشجرة التي صعد إليها، في حال تفاقم الأمور في ساحة القتال.

عسكرياً، لا يمكننا أن ننكر تفوّق الولايات المتحدة على القوة العسكرية لأيّ دولة في العالم. فالإنفاق العسكري للولايات المتحدة عام 2025 بلغ 901 مليار دولار، مقابل 470 مليار دولار للصين، و186 مليار دولار لروسيا و48 مليار دولار لكيان الاحتلال، في حين لم يتجاوز الإنفاق العسكري الإيراني مبلغ 23 مليار دولار، علماً أنّ إيران زادت إنفاقها العسكري خلال عام 2025 بنسبة 200%، ما يعني أنّ بنيتها العسكرية لا تملك التراكم نفسه الذي يملكه أعداؤها.

تمنح هذه الأرقام العدو أفضلية نارية تمكّنه من شنّ حرب طويلة الأمد تدمّر البنى التحتية المدنية والعسكرية، كما أنّ غياب الرادع الأخلاقي والعقائدي عند العدو يجعله يستهدف المدنيين كما حدث في مدرسة ميناب حيث استشهدت 120 طفلة، وفي مستشفى غاندي في طهران، وهو السلوك نفسه الذي اعتمده حلف العدوان في قطاع غزّة، ولبنان، واليمن.

بالمقابل وسّعت إيران مروحة الأهداف فهاجمت القواعد الأميركية في جميع دول الجوار وصولاً إلى القاعدة البريطانية في قبرص، وكذلك إغلاق مضيق هرمز عملياً، بإغراق ناقلة نفط، وكذلك استهداف حاملة الطائرات أبراهام لنكولن بصواريخ توما هوك ودفعها للانسحاب نحو جنوب المحيط الهندي. جاء تدخّل حلفاء إيران في المنطقة ليزيد الضغط على الخطط الأميركية – الصهيونية، التي اعتقدت أنّ قوى المقاومة فقدت قدرتها على الإسناد، بعد الضربات التي تلقّتها خلال الأشهر الماضية.

في ظلّ اتساع رقعة الحرب سيخرج علينا بعض أدعياء الوطنية بحديثهم الرومانسي عن حقن الدماء، وتجنّب الدمار، وبكائيات الحرص على حياة المدنيين، وأنّ على محور المقاومة الاستسلام أمام تفوّق العدو، والقبول بشروطه سواء كانت تسليم السلاح، أو إيقاف البرامج الدفاعية من صناعة صواريخ، أو استخدام الطاقة النووية للأغراض السلمية، وفي النهاية الالتحاق بالركب الإبراهيمي وقبلته “تل أبيب“.

لو استسلمت الأمم لهذه النصائح، لما عرف التأريخ سقوطاً للمحتلين، وانتصاراً للعدل على الظلم، فالباغي دائماً أكثر قوة، لكنّ التأريخ يعلّمنا أنه في كلّ مرة وقف فيها الضعفاء في وجه الأقوياء.. وفي كلّ مرة وقف فيها فائض الإرادة في وجه فائض القوة.. تولد العنقاء من جديد، وتخطو الشعوب خطوة نحو النصر.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى