ما سر الصمود الإيراني بمواجهة الضغوط الأميركية؟

بقلم: حسن حيدر..
في كلّ جولة توتر جديدة بين طهران وواشنطن، يعود السؤال ذاته إلى الواجهة: لماذا لا تؤدي العقوبات الاقتصادية المشددة والتهديدات العسكرية المتكررة والضغوط السياسية المتراكمة إلى تغيير جذري في سلوك إيران أو إلى ما يشبه “الاستسلام السياسي”؟ هذا التساؤل برز بوضوح في تصريحات منسوبة إلى الرئيس الأميركي دونالد ترامب، عبّر فيها عن استغراب من استمرار طهران في مواقفها رغم ما تواجهه من ضغوط غير مسبوقة.
الولايات المتحدة تنظر غالبًا إلى سلوك الدول من زاوية حسابات القوّة الصلبة والكلفة الاقتصادية المباشرة بينما تستند إيران -في جانب من قراءتها لذاتها ولدورها- إلى منظار تاريخي وهوية وطنية ما يجعل مسألة “الرضوخ” أكثر تعقيدًا من مجرد معادلة ربح وخسارة آنية.
من منظور واشنطن، تبدو أدوات الضغط واضحة ومباشرة؛ تبدأ بعقوبات مالية واسعة يليها عزل مصرفي ثمّ قيود على التجارة والاقتصاد ما يشمل الصادرات والواردات، تستتبع بانتشار عسكري في محيط البلد المستهدف. في الأدبيات الاستراتيجية الأميركية يفترض هذا النوع من “الضغط المركّب” أن يدفع الطرف المقابل إلى تعديل سلوكه لتخفيف الكلفة.
لكن في الحالة الإيرانية لم تُفضِ سنوات من “الضغط الأقصى” إلى تغيير جوهري في الثوابت المعلنة للسياسة الإيرانية سواء في الملف النووي أو في قضايا إقليمية.
هنا يظهر عنصر غالبًا ما يُغفل في التحليل القصير المدى وهو “أثر الذاكرة التاريخية” في تشكيل القرار السياسي، فإيران بوصفها دولة ذات تاريخ إمبراطوري طويل مرت بمراحل غزو وتفكك وإعادة تشكّل، من اجتياح المغول في القرن الثالث عشر إلى صراعاتها مع الإمبراطوريتين الروسية والبريطانية في القرنين التاسع عشر والعشرين وصولًا إلى الاحتلال المشترك خلال الحرب العالمية الثانية، واجهت البلاد لحظات انهيار عميقة، لكنها استعادت تماسكها السياسي والثقافي في كلّ مرة.
هذا التراكم التاريخي رسّخ في الوعي الوطني فكرة أن الضغوط الخارجية مهما بلغت ليست حدثًا استثنائيًا بل مرحلة عابرة في مسار أطول.
من وجهة النظر الإيرانية لا تُقرأ العقوبات أو التهديدات العسكرية بمعزل عن سياق أوسع من التنافس مع قوة عظمى يُنظر إليها على أنها سعت تاريخيًا إلى التأثير في القرار الإيراني، لذلك يتحول التراجع تحت الضغط إلى مسألة رمزية وماء وجه أولًا، قبل الوصول الى الأهداف المرجوة من الضغط نفسه، وهذا لا يعني أن طهران لا تتفاوض أو لا تناور، فالتجربة أظهرت استعدادًا إيرانيًا للدخول في مفاوضات معقدة كما حدث في الاتفاق النووي لعام 2015، غير أن هذا التفاوض جرى ضمن سقف واضح وهو الحفاظ على مبدأ الاستقلال ورفض الإملاءات المباشرة.
في هذا الإطار، يمكن فهم سبب عدم ترجمة الضغوط إلى استسلام، فصانع القرار الإيراني يوازن بين كلفة التنازل الفوري وكلفة المساس بصورة الدولة ككيان مستقل، وفي حالات كثيرة يُنظر إلى التنازل تحت التهديد باعتباره سابقة قد تفتح الباب لمطالب إضافية لاحقًا، وهو ما يعزز الميل إلى الصمود حتّى لو كانت الكلفة مرتفعة.
إلى جانب البعد التاريخي، تلعب الثقافة السياسية دورًا مهمًا، فالخطاب الرسمي في إيران يستند إلى مفاهيم دينية وتاريخية تمجد الصبر والثبات في مواجهة التحديات. هذه السرديات لا تعمل فقط كأدوات تعبئة داخلية بل تسهم في تشكيل إدراك عام بأن الضغوط الخارجية اختبار للهوية الوطنية، لا مجرد أزمة سياسية عابرة.
كما أن الجغرافيا كان لها دور في تكوين هذا الإدراك؛ فالهضبة الإيرانية بسلاسل جبالها الممتدة مثل “البرز” و”زاغروس”، منحت البلاد عبر التاريخ عمقًا دفاعيًا طبيعيًا.
هذا الإحساس بالقدرة على الاحتماء جغرافيًا انعكس تدريجيًا على الثقافة السياسية، ليغذي تصورًا ذاتيًا قائمًا على القدرة على التحمل طويل الأمد.
في المقابل، تميل المقاربة الأميركية إلى التركيز على أدوات الردع التقليدية عبر القوّة العسكرية والعقوبات والتحالفات الإقليمية. هذه الأدوات أثبتت فعاليتها في حالات عدة حول العالم لكنها في الحالة الإيرانية تصطدم ببنية ذهنية ترى في الصمود قيمة بحد ذاتها، حتّى لو لم يؤدِّ ذلك إلى مكاسب فورية.
من هنا يمكن فهم استغراب الرئيس الأميركي من عدم “انكسار” إيران رغم الضغوط على أنه تباين في فهم المنطلقات، وهذا لا يعني أن إيران محصنة من التأثيرات الاقتصادية أو من تأثيرات الضغوطات داخليًّا، فالعقوبات ألحقت أضرارًا ملموسة بالاقتصاد الإيراني وأثرت في مستوى المعيشة والاستقرار المالي، غير أن ترجمة هذه الضغوط إلى تغيير سياسي جذري يصطدم بعوامل داخلية تتعلق بطبيعة النظام وتركيبته المؤسسية ورؤيته لدوره الإقليمي.
من هنا تدخل المواجهة مرحلة عض الأصابع وأي مقاربة مستقبلية فعالة ستحتاج إلى فهم أعمق لدوافع الصمود الإيراني بعيدًا عن افتراض أن منطق القوّة الأميركي وحده كافٍ لإعادة تشكيل السلوك، فإيران من منظورها لا ترى نفسها مجرد طرف في معادلة ضغط بل امتدادًا لتجربة تاريخية تعتبر الاستقلال ركنًا مركزيًا في تعريفها لذاتها وحصنًا متينًا للدفاع عن قيمها وكيانها بوجه المتغيرات الكبيرة في منطقة غرب آسيا.



