اخر الأخبارثقافية

تجربة التشكيلي كاظم شمهود .. اللون ذاكرة تقاوم النسيان

المراقب العراقي /أميرة ناجي …

إن” اللون قوة تؤثر مباشرة في الروح” ذلك ما يقوله فاسيلي كاندينسكي وتمثل هذه المقولة مدخلًا نظريًا أساسًا لقراءة تجربة الفنان الدكتور كاظم شمهود إذ تؤكد أن اللون ليس عنصرًا بصريًا محايدًا بل طاقة نفسية وروحية فاعلة وهو ما يتجسد بوضوح في منجزه التشكيلي حيث تتحول البنية اللونية إلى وسيط للذاكرة وحامل للانفعال الإنساني العميق، إن أعماله لا تخاطب العين وحدها بل تستنهض الوعي الجمالي وتستدعي المخزون الثقافي والحضاري المتراكم عبر الزمن ليصبح الفعل التشكيلي فعل معرفة وتأمل لا مجرد مشاهدة بصرية.

ضمن سياق التشكيل العراقي والعربي المعاصر يحتل كاظم شمهود موقعًا متقدمًا كأحد الفنانين الذين أسهموا بترسيخ التعبيرية الحديثة ذات الجذور الرمزية مع انفتاح واعٍ على التجريد اللوني، إن منجزه يقوم على بناء فضاءات بصرية مفتوحة لا تقدم سرديات مغلقة بل تعتمد على تفاعل اللون والخط والكتلة بما يسمح بتعدد مستويات القراءة والتأويل وهو ما ينسجم مع أطروحات التأويل البصري عند أمبرتو إيكو التي ترى العمل الفني بنية مفتوحة قابلة لإنتاج المعنى عبر التلقي والمشاركة الذهنية للمتلقي.

يرتكز البناء التشكيلي لدى شمهود على اللون كعنصر دلالي مركزي تتجاوز وظيفته البعد الزخرفي أو التزييني فالأزرق يحيل إلى الحلم والبعد الروحي والحنين الوجودي بينما يؤدي الأحمر دورًا مركبًا يجمع بين العنف والحياة وبين الألم والانبعاث أما الأصفر والأسود فيؤسسان جدلًا بصريًا يعكس التوتر القائم بين النور والعتمة وبين الأمل والانكسار ويمكن قراءة هذه المنظومة اللونية في ضوء نظرية سيكولوجية اللون عند كاندينسكي ورودلف آرنهايم حيث يُنظر إلى اللون كقيمة إدراكية ونفسية قادرة على التأثير المباشر في الوعي والانفعال الإنساني.

تتحدد علاقة شمهود بالتراث من خلال آلية التحويل المفاهيمي لا الاستعادة الشكلية فهو لا يعيد إنتاج الرموز التراثية ولا يوظفها كعناصر زخرفية مباشرة بل يعمل على تفكيكها وإعادة بنائها داخل منظومة تعبيرية معاصرة تستحضر الأسطورة والملحمة والطقس الشعبي والذاكرة العراقية كمكونات دلالية كامنة تمنح العمل عمقًا حضاريًا دون الوقوع في أسر الماضي أو المباشرة التوثيقية ويقترب هذا المنهج من مفهوم الذاكرة الثقافية كما صاغه يان أسمان حيث يتحول التراث إلى مخزون رمزي يُعاد تفعيله وفق حاجات الحاضر أسئلته.

على المستوى الأسلوبي تنتمي تجربة كاظم شمهود إلى التعبيرية الرمزية المعاصرة حيث تتداخل الأجساد والخطوط ضمن تكوينات مشحونة بالحركة والانفعال الجسد لا يظهر ككيان تشريحي بل يتحول إلى علامة بصرية تختزل حالات إنسانية قصوى مثل الصراع والاحتضان والانكسار والتوق إلى الحرية كما تبدو الأشكال في حالة تشكل دائم في إشارة إلى الإنسان ككائن غير مكتمل يعيش صيرورة مستمرة وهو ما يتقاطع مع الفلسفة الوجودية في الفن كما عند جان بول سارتر وموريس ميرلو بونتي حيث يصبح الجسد مجالًا للتجربة والوعي.

وتنطلق تجربة شمهود من تصور إنساني للفن يرى في اللوحة مساحة للتعبير والمساءلة لا منتجًا جماليًا معزولًا عن سياقه فالأعمال رغم تحررها من المباشرة السياسية تحمل موقفًا أخلاقيًا يتمثل في الدفاع عن الذاكرة الجمعية وعن حق الإنسان في التعبير وعن الجمال كقيمة مقاومة للفناء والنسيان ويمكن مقاربة هذا البعد من خلال نظرية الفن فعل مقاومة رمزية كما تناولها تيودور أدورنو في قراءته للفن الحديث.

تتميز تجربة كاظم شمهود بقدرتها على تجاوز الحدود الجغرافية والثقافية إذ تنطلق من بيئة محلية محددة لكنها تنفتح على أفق إنساني كوني عبر لغة بصرية قادرة على التواصل مع متلقين من خلفيات ثقافية متعددة وهذا التوازن بين المحلي والكوني يمنح منجزه قابلية للحضور في فضاءات عرض عالمية دون فقدان جذوره المرجعية.

في الخلاصة تمثل تجربة كاظم شمهود مشروعًا تشكيليًا متكاملًا يشتغل على مفاهيم الذاكرة والهوية والإنسان من خلال لغة لونية كثيفة ومشحونة بالدلالة إنه فنان يحول التراث إلى طاقة إبداعية متجددة ويجعل من اللوحة حقلًا للتأمل النقدي والمساءلة الفكرية إن هذا المنجز يستحق الدراسة الأكاديمية والتوثيق النقدي والاحتفاء الثقافي لما يحمله من قيمة جمالية ومعرفية تسهم بإثراء مسار التشكيل العراقي المعاصر.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى