اخر الأخباراوراق المراقب

لماذا ينسى الإنسان نفسه؟

مرتضى معاش..

يتمحور هذا المقال حول فكرة أن نسيان الإنسان لنفسه هو نتيجة حتمية لإهماله ذكر الله وهروبه من مواجهة أخطائه، حين يكون “النسيان التعمدي” تبريراً لا واعياً للاستمرار في الخطايا. ليصبح نسيان الإنسان لنفسه عقوبة ذاتية تنشأ من نسيان الخالق والتهرب من المسؤولية، ويتحول “التغافل” إلى حجاب يطمس الفطرة ويغيّب الوعي. هذا الانفصال عن الذات يبدأ بالتهاون في صغائر الذنوب وينتهي بقسوة القلب والضياع النفسي، كما أن نسيان النفس هو اغترابٌ روحي ينشأ من الإعراض عن الله والتهرب من محاسبة الذات، مما يحول المعاصي إلى طبعٍ يختم على القلب ويورث المعيشة الضنكة، ولا خلاص من هذا التيه إلا باليقظة الدائمة والتمسك بالقيم التي تربط الإنسان بفطرته وخالقه.

في معنى النسيان

يقول الله تعالى في كتابه الحكيم:

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ، وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ أُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ، لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ).

لماذا ينسى الإنسان نفسه؟ ولماذا ينساه الله سبحانه وتعالى؟ حاشا لله أن ينسى عباده، بل إن هذا النسيان هو نتيجة حتمية لأعمال الإنسان. فعندما ينسى المرء ربه وينحرف عن النهج القويم الذي يجب أن يسير عليه، فإنه يقود نفسه إلى مسار آخر بعيد عن طريق الله عزوجل، مسار لا يوصله إلى غايته الكبرى وهي الخالق جل وعلا، وبسبب هذا الانحراف، يكون جزاؤه أن يُنسى.

يحمل النسيان هنا دلالات الحجب، والترك، والإهمال؛ فهو نقيض التذكر والفعل والاهتمام. فالإنسان الذي يهمل نفسه، يحجبها عن وعيه بذاكرته وبحقيقة الأفعال التي ارتكبها. لذا، فإن النسيان المذكور في هذا السياق وفي القرآن الكريم، ليس ذلك النسيان الطبيعي المألوف الذي يعتري البشر، بل يُقصد به “الإهمال”؛ أي إهمال الإنسان لمنطلقات أفعاله، ومآلاتها، وعواقبها.

وهذا ما يبينه التفسير القرآني لقوله تعالى: ﴿كَذَٰلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا﴾ أي أدلتُنا، ﴿فَنَسِيتَهَا﴾ أي تركتها، ﴿وَكَذَٰلِكَ الْيَوْمَ تُنسَىٰ﴾ أي تُهمل وتُترك ولا يُقام لك وزن.

وسُئل الإمام الرضا (عليه السلام) عن قوله عز وجل: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾، فقال: “إن الله تبارك وتعالى لا يسهو ولا ينسى، إنما يسهو وينسى المخلوق المُحْدَث. ألا تسمعه عز وجل يقول: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾؟ وإنما يجازي من نسيه، ونسي لقاء يومه، بأن يُنسيهم أنفسهم، كما قال تعالى: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ﴾. وقال: ﴿فَالْيَوْمَ نَنسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَٰذَا﴾؛ أي نتركهم كما تركوا الاستعداد للقاء يومهم هذا، أي نجازيهم على ذلك”.

النسيان في علم النفس

النسيان في علم النفس بحسب ويكيبيديا: هو الدخول في حالة من الفقدان الظاهري أو تحوير للمعلومات المخزنة في الذاكرة المديدة عند محاولة استرجاعها. وتكون هذه الحالة فجائية أو بشكل تدريجي. يساعد النسيان من جهة على ملائمة ربط وتخزين معلومات جديدة مع المعرفة القديمة. وكلما ازداد الإنسان في العمر زاد نسيانه، حيث تكثر حينها مشاكل الذاكرة والتعلم، وتضعف القدرة على الاحتفاظ بالمعلومات الجديدة المكتسبة.

وفي تعريف آخر: النسيان أو عدم التذكر هو فقدان أو تعديل واضح للمعلومات المُخزّنة والمُشفّرة في الذاكرة قصيرة أو طويلة المدى. وهي عملية تلقائية أو تدريجية لا يُمكن فيها استرجاع الذكريات القديمة من مخازن الذاكرة.

وفي تعريف آخر: النسيان هو انتقال المعلومات في عقل الإنسان من الوعي إلى اللاوعي في شكل ذكريات مقترنة بأحاسيس ومشاعر وتبقى الذكريات موجودة، وإن لم نستحضرها حاليا، وتُسترجع تلقائيا بالتعرض لأي عامل منشط لها.

وقد يحدث النسيان نتيجةً مرضٍ مُعين أو بسبب التقدّم في السن حين تتعرض أجهزة الجسم العضوية للضعف والاضمحلال وكذلك عندما يواجه الإنسان أزماتٍ وصدماتٍ ونوائب قاسية، فإن وعيه أو ذاكرته تعمد إلى حجب تلك الذكريات والمعلومات المؤلمة؛ لكي يتمكن من التأقلم مع الواقع والتكيف مع مجريات الحياة. ويُعد هذا النوع من النسيان، المرتبط بآلية التكيف، أمراً طبيعياً وصحياً من الناحية النفسية، إذ يعين الإنسان على استيعاب المصائب التي ألمّت به.

وفي هذا السياق، ورد عن الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) قوله: “وَأَعْظَمُ مِنَ النِّعْمَةِ عَلَى الْإِنْسَانِ فِي الْحِفْظِ النِّعْمَةُ فِي النِّسْيَانِ، فَإِنَّهُ لَوْلَا النِّسْيَانُ لَمَا سَلَا أَحَدٌ عَنْ مُصِيبَةٍ، وَلَا انْقَضَتْ لَهُ حَسْرَةٌ، وَلَا مَاتَ لَهُ حِقْدٌ، وَلَا اسْتَمْتَعَ بِشَيْءٍ مِنْ مَتَاعِ الدُّنْيَا مَعَ تَذَكُّرِ الْآفَاتِ، وَلَا رَجَا غَفْلَةً مِنْ سُلْطَانٍ، وَلَا فَتْرَةً مِنْ حَاسِدٍ”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى