اراء

محرقة الفاشر.. إبادة جماعية بتوقيع إقليمي وهندسة دولية

بقلم: محمد حسب الرسول..

شهد شهر شباط 2026 صدور تقريرين حقوقيين فصّلا مأساة مدينة الفاشر؛ حيث أصدرت المفوضية السامية لحقوق الإنسان في الثالث عشر منه، تقريراً من تسع وعشرين صفحة استند إلى شهادات (140) من الضحايا والناجين، وحمل عنواناً مقتبساً من إفادة إحدى الناجيات: “كانوا يطلقون علينا النار كالحيوانات”.

وأعقب ذلك في التاسع عشر من الشهر نفسه صدور تقرير بعثة تقصّي الحقائق المستقلة برئاسة شاندي عثمان، والذي وصف الحالة في السودان بسمات الإبادة الجماعية في الفاشر، واستجوب (230) شاهداً ليخلص إلى أن نية الإبادة الجماعية هي الاستنتاج الوحيد الممكن استخلاصه من الأفعال المنهجية المرتكبة ضد سكان المدينة.

الشهادات الحية تثبت جريمة الإبادة

وضعت الأمم المتحدة العالم أمام مسؤوليته بصدور تقرير المفوضية السامية، الذي وثّق مقتل نحو 6 آلاف مدني في الفاشر وملاحقة 16.00 آخرين أثناء فرارهم.

ثم جاء تقرير بعثة تقصي الحقائق ليقطع الشك باليقين، وليؤكد أن “نية الإبادة الجماعية” قد ثبتت أركانها عبر التصفية العرقية وإلحاق الأذى الجسيم وخلق ظروف معيشية مُهلكة تهدف إلى إبادة جماعات عرقية من قبائل أفريقية منها قبيلتا الزغاوة والفور.

الخذلان العمد.. جريمة مع سبق الإصرار والترصد

إن هذين التقريرين، بما تضمنّاه من حقائق مروعة، تجاوزا في جوهرهما حدود الرصد الحقوقي المعتاد لتشكيل “بيان إدانة” تاريخي يُعرّي ضمير المنظومة الدولية التي وقفت موقف المتفرج أمام محرقة الفاشر، إن قراءة هذه العناوين الصادمة لا يمكن فصلها عن سياق “الخذلان العمد” الذي يُقرأ قانونياً وسياسياً  بوصفه جريمة تمت مع “سبق الإصرار والترصد” من قبل القوى الغربية والمنظمة الدولية بحق 900 ألف مدني؛ حين تركت هذه النفوس لمصيرها خلف أسوار الحصار والموت رغم صرخات الاستغاثة المتكررة من أجل شربة ماء، وجرعة دواء، ولقمة في فم طفل رضيع وسيدة عجوز وشيخ كهل.

خديعة الهدنة.. بين مأساة غزة والفاشر

على مدار 18 شهراً من حصار الفاشر الخانق، لم تكن دعوات “الهدنة الإنسانية” التي أطلقتها المنظمة الأممية سوى غطاء زمني سمح للميليشيا بإتمام مخططها. فقد أصدر مجلس الأمن القرار الرقم (2736) بتاريخ الـ13 من حزيران 2024، الذي طالب صراحةً بإنهاء حصار مليشيا الدعم السريع للمدينة، غير أن المليشيا رفضت الامتثال للقرار وضربت به وبنداءات الأمين العام للأمم المتحدة عرض الحائط.

والمريب هنا هو الصمت المطبق الذي خيم على مجلس الأمن والأمين العام أمام هذا الصلف؛ فرفض المليشيا للقرار وللصوت الإنساني كان يخدم بوضوح أهدافها الميدانية والمشروع الخارجي الذي تنفذه في السودان.

لا يخفى على الفطن إدراك المغزى الحقيقي للاندفاع الغربي، بقيادة أميركا، للدعوة إلى وقف إطلاق النار في هذا التوقيت بالذات. فهو ليس بدافع إنساني محض، إنما هو محاولة لفرض أمر واقع يهدف إلى:

قطع الطريق على تحرير الفاشر وحرمان الوطن من استعادتها.

منح الميليشيا فرصة لالتقاط الأنفاس، وإعادة ترتيب صفوفها، وترميم قدراتها القتالية.

ترسيخ واقع “التفكيك”، وإعادة إنتاج السيناريو الليبي بتجربة حفتر في الشرق، بهدف تقسيم السودان وإضعافه.

المحرضون والداعمون: بريطانيا “حارس مرمى” الإمارات في مجلس الأمن

برز اسم دولة الإمارات العربية كممول وداعم رئيس للمليشيا، عبر جسور جوية عسكرية وثقتها جامعة ييل (Yale) وصحيفة نيويورك تايمز.

غير أن هذا التمويل ما كان ليمر لولا وجود غطاء سياسي محكم داخل أروقة القرار الدولي؛ وهنا يتكشف الدور البريطاني المريب. فبصفتها “حامل القلم” لملف السودان في مجلس الأمن، اختارت لندن أن تلعب دور “حارس المرمى الإماراتي”؛ حيث استغلت مكانتها في المجلس لصد محاولات إدانة أبو ظبي كافة، وعرقلت بضراوة شكاوى السودان ضدها، وعملت على تمييع القرارات لإفراغها من أي محتوى عقابي، فمنحت بذلك القاتل والممول الوقت الكافي لإتمام فصول التغيير الديمغرافي عبر جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية.

التوصيف القانوني الجديد واستحقاقات العدالة الناجزة

جاء تقريرا المفوضية السامية لحقوق الإنسان وبعثة تقصي الحقائق ليضعا العالم أمام اختبار حقيقي، فالتوثيق لتصفيات قامت بها مليشيا الدعم السريع في داخلية الرشيد ومخيم زمزم وفي الفاشر، يثبت أن الهجمات لم تكن عشوائية، بل جزءاً من عملية “منظمة ومخطط لها”، تحمل سمات الإبادة الجماعية. هذا التحول يفرض ثلاثة استحقاقات أخلاقية وقانونية وسياسية:

1- المحاسبة لا التسوية: إذ لا يمكن قبول أي تسوية سياسية تكفل بقاء المليشيا في المشهد العسكري والسياسي السوداني، فالمجرم مكانه المحاكم لا قصور السلطة ودواوين الحكم، وأي إفلات من العقاب هو مباركة لإبادة مقبلة.

2- نزع الصلاحية الأخلاقية عن الراعي: من المنظور الأخلاقي والقانوني والسياسي، يُمنع تماماً على أي دولة مولت ورعت المليشيا أن تلعب دور “الوسيط” أو أن تفرض شروطاً للحل؛ إذ لا يمكن لمن أوقد نار الإبادة وسعى لتقسيم البلاد أن يكون مؤتمناً على إطفائها أو رسم ملامح السلام.

3- الوصم بالإرهاب: إن فظائع المليشيا التي قارنتها الصحافة العالمية بمجازر رواندا وما شهده العالم من إبادة في غزة، توجب تصنيف المليشيا منظمة إرهابية دولية، ومعاملة داعميها كشركاء في تمويل الإرهاب والتطهير العرقي.

مسؤولية جنائية لا تسقط بالتقادم

إن تقارير شباط 2026 لا تدين “البندقية” فحسب، بل تدين “اليد” التي اشترت السلاح، و”اللسان” الذي سكت عن الحصار، و”القلم” الذي عطل العدالة في مجلس الأمن.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى