اخر الأخبارثقافية

جدلية الأثر والهوية في تجربة التشكيلي الدكتور قاسم محسن

المراقب العراقي/ أميرة ناجي..

ثمة أعمال فنية لا تُستقبل باعتبارها صوراً بل طبقات من زمن متراكم يطفو إلى السطح، الدكتور قاسم محسن رسام، غير أن تجربته تتجاوز حدود التعريف المدرسي للرسم، فهو لا يقدم مشهدا تشكيليا بالمعنى المتعارف عليه بل يفتح شقوقا في جدار الذاكرة كي يطل منها الأثر، وهو يستعيد صوته إننا أمام تجربة تجعل من اللوحة فضاءً تنقيباً بصرياً، حيث يتحول اللون إلى طين رمزي، وتتحول الكتلة إلى وثيقة، ويتحول السطح إلى حقل استعادة فلسفية للهوية.

قاسم محسن رسام في جوهر تجربته، غير أن لوحاته تستدعي حس النحات في التعامل مع الكتلة والملمس والعمق، إننا لا نقف أمام سطح مستوٍ بل أمام بنية تبدو وكأنها منقوشة محفورة مشغولة بأداة حادة حتى وإن كانت منجزة بالفرشاة هذا التداخل بين الرسم والنحت لا يلغي هوية العمل بل يثريها، فالرسم هنا يستعير من النحت صرامة الكتلة ومن الأثر صمته الثقيل ومن الحجر ذاكرته البعيدة.

في أعماله يتخذ البنية المستطيلة المكتظة بالكتابات المسمارية مركزا تركيبيا، غير أن المركز لا يعمل بوظيفة تمثيلية مباشرة بل يتحول إلى حامل أرشيفي تتجاور فوقه مشاهد الطقوس والعربات والمحاربين والوحدات الزخرفية في انتظام مدروس، الرأس يعالج بواقعية دقيقة تستحضر الإرث الأكاديمي في رسم الكتلة والتشريح، بينما يتحول الجسد أو المسطح إلى فضاء أثري محفور تتكاثف فيه العلامات كأن الزمن نفسه استقر هناك ليعلن حضوره المادي.

هذا التوتر بين الواقعي والرمزي يمنح العمل عمقه الدرامي، فالعنصر المركزي يبدو كائنا معاصرا يحمل فوقه طبقات من الذاكرة، لا يتحرك في فراغ بل في حقل من الإشارات البصرية التي تحيل إلى بنية حضارية كاملة، إننا لا نرى موضوعا مفردا بل نرى تداخلا بين الكائن والأثر بين الجسد والكتابة بين الحياة والنقش، إذ يتعامل الفنان مع ما تبقى من حضارة لم تعد قائمة في شكلها المادي لكنها مازالت قائمة في بنيتها الرمزية.

المدرسة التي تنتمي إليها هذه التجربة لا يمكن حصرها في توصيف تقليدي فهي تقف عند تخوم الواقعية الرمزية وتستعير من الفن الفلسفي وعيه بالفكرة المؤسسة للعمل قبل تجسيدها بصريا غير أن خصوصيتها تتجلى في اشتغالها على التراث الرافديني مادة حية قابلة لإعادة القراءة لا مرجعا شكليا جاهزا، إن الفنان قاسم محسن يعيد صياغة الرمز القديم داخل بنية حداثية دون أن يفقده جذره الفلسفي والوجودي.

تقنياً يعتمد الفنان على معالجة سطحية تمنح اللوحة ملمسا قريبا من الحجر المنقوش أو الرقيم الطيني تتدرج الألوان بين البني الذهبي والرمادي المعدني والأزرق السماوي في انسجام يوحي بتقادم المادة رغم حداثة الوسيط اللوني ثمة عناية بإظهار التشققات والتآكلات وكأن الزمن عنصر مشارك في البناء التشكيلي لا خلفية محايدة، إن السطح لا يُلون بل يُبنى طبقة فوق أخرى حتى يغدو أقرب إلى جدار أثري منه إلى قماش مشدود.

هذه النزعة إلى تكثيف الكتلة داخل فضاء الرسم تكشف عن وعي نحتي عميق لدى الفنان وهو الذي يمتلك تجارب في النحت أيضا غير أن أهمية تجربته تكمن في قدرته على نقل حس النحت إلى اللوحة دون أن تتحول إلى محاكاة مباشرة لمجسم ثلاثي الأبعاد بل تبقى وفية لسطحها معززة إياه بإيهام العمق والحفر والتآكل، إن الرسم عنده لا يذوب في النحت بل يحاوره ويستعير منه طاقته البنيوي.

في الأعمال التي تتكثف فيها الكتابة المسمارية ضمن تقسيمات هندسية واضحة تتحول العلامة إلى وحدة إيقاعية النص لا يُقرأ بل يُرى والكتابة لا تؤدي وظيفة لغوية بل وظيفة تشكيلية بصرية تتجاور الأشرطة النصية مع وحدات تصويرية ذات دلالات ميثولوجية واقتصادية فتتشكل بنية هرمية يتدرج فيها المعنى من الرمز إلى الكائن ومن النقش إلى الحياة، إن العلاقة بين الكلمة والصورة هنا علاقة اندماج لا انفصال.

استحضار الرموز المرتبطة بالماء والخصب في هذا السياق يعيدنا إلى جوهر الحضارة الرافدينية التي قامت على النهر شرطاً للوجود إن الفنان حين يضع هذه الرموز في انتظام إيقاعي لا يكتفي بإحالة تأريخية بل يؤكد استمرارية دورة الحياة داخل الذاكرة الثقافية، فالمتبقي ليس شكلا جامدا بل طاقة قابلة للتجدد ومع كل قراءة جديدة للوحة ينفتح المعنى على أفق آخر.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى