مجالس العزاء الحسيني .. نبذة تاريخية


لم يبدأ الحديث عن الشهادة المباركة لسيّد الشهداء الإمام الحسين عليه السلام منذ زمن وقوع تلك الحادثة الدامية في كربلاء، بل هي قضيّة عرفتها البشريّة، وجرى تداولها واستعراضها والحديث عنها، منذ خلق النبيّ آدم عليه السلام. ولقد بكى لمصرعه الأنبياء والأئمّة عليهم السلام، وحزنوا وتألّموا له عليه السلام، وتضمّنت الكتب المعتبرة أخباراً تحكي ضجيج بكاء الملائكة وأنينها عليه!كما بكاه أيضاً صحابة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، حتّى من قبل ولادته الميمونة عليه السلام، بعدما أُخبروا بما كان سيجري عليه مستقبلاً.وأمّا بعد وقعة كربلاء، فقد كان الإمام زين العابدين عليه السلام، ومعه عمّته زينب الكبرى، عقيلة الهاشميّين، ومعهما من تبقّى من الحرم والأطفال في كربلاء، أوّل من رووا ما جرى، وأخبروا عن تفاصيل تلك الحادثة الأليمة، من خلال بكائهم ونحيبهم، والعبرات الحرّى التي سكبتها العيون والآماق، والقلوب التي امتلأت حزناً وغمّاً.وقد استطاع بكاء هؤلاء الطاهرين أن يهزّ ضمير كلّ كائنٍ حيّ ووجدانه، وفضح أمام الملأ ما حاق بشهداء كربلاء من ظلم وجور واعتداء، وما حلّ بهم من مصائب.لم يكن يخلو موقف من المواقف من هذا البكاء، فقد بكوا إلى جانب الأجساد المقطّعة إرباً، وفي الأسواق، وعند أبواب المدن، وفي المجالس العامّة، وأحياناً في حال السجود وسط جمع المصلّين، وفي محضر حكّام الجور وولاته، كعبيد الله بن زياد، و.. بل كان إمامنا زين العابدين عليه السلام يعيش دائماً حالة الحزن والبكاء لما جرى يوم عاشوراء، حتّى إنّه بكى مصاب أبيه الحسين عليه السلام 35 عاماً، وكان كلّ همّه عليه السلام خلال هذه المدة هو تجسيد ما جرى في كربلاء وجعله شاخصاً أمام أعين الناس، وإبقاء تلك الواقعة حيّةً في النفوس والقلوب.وقد أوصى الإمام الباقر عليه السلام – وهو ممّن حضر وقعة الطفّ- المؤمنين بذكر مصاب جدّه الحسين عليه السلام في صحراء عرفات. ونقل عنه ولده الإمام الصادق عليه السلام أنّه كان كلّما ذكر أو ذُكرت عنده مصيبة أبي عبد الله الحسين عليه السلام سالت الدموع من عينيه، وكان عليه السلام قد أعدّ في داره مجلساً للبكاء.ولقد كان المحرّم شهر الحزن والعزاء عند أهل البيت عليهم السلام، وكان الإمام الكاظم عليه السلام إذا دخل هذا الشهر لا يُرى فيه ضاحكاً، وكانت الكآبة تغلب عليه.وكان الإمام عليّ بن موسى الرضا عليه السلام يولي مجالس العزاء التي تُقام على الإمام الحسين عليه السلام أهمّيّة فائقة، وتائيّة دعبل الخزاعيّ التي أنشدها بمحضره في رثاء المولى أبي عبد الله عليه السلام معروفة ومشتهرة. وقد كان عليه السلام يوصي مَنْ بالمدينة مِنْ أرحامه بمواصلة هذا الطريق والاستمرار في إحياء هذه المجالس.وكذا صنع سائر الأئمّة من أهل البيت عليهم السلام، كلٌّ في عصره وزمانه، فقد عملوا على تكريس هذه السنّة ونشر العمل بها، بل كانوا عليهم السلام – هم أنفسهم – في كثير من الأحيان يذكّرون الناس بمصائب جدّهم عليهم السلام، فيَبكون ويُبكون، ويبيّنون للناس أنّ إظهار الحزن والجزع على مصائب كربلاء يُعَدّ من أفضل العبادات.ومن هنا، فإنّ تحوّل واقعة عاشوراء إلى واحدةٍ من أهمّ المحطّات والوقائع التاريخيّة عند الشيعة، إنّما يعود سببه, في حقيقة الأمر, إلى هذا العمل الدؤوب والمستمرّ من أهل البيت عليهم السلام، وفي كلّ فرصة ومناسبة، على ذكر هذه الواقعة، واستعراض أحداثها، وسرد ما جرى فيها وتفصيله.وبعد عصر حضور الأئمّة عليهم السلام، تابع علماء مدرسة أهل البيت عليهم السلام هذه المسيرة، وواصلوا السير على نفس الخطى تأسّياً واقتداءً بأئمّتهم الطاهرين عليهم السلام، وبذلوا الغالي والنفيس في سبيل الحفاظ على مجالس العزاء التي تُقام على سيّد الشهداء عليه السلام، وبهذا حافظت هذه المجالس على رونقها وحيويّتها واستمراريّتها.وقد واصل المخلصون من أتباع هؤلاء العلماء (من خواصّ الشيعة) العمل بهذه السيرة الحسنة، تأسّياً بالأنبياء والأولياء عليهم السلام، وعملاً بفتاوى كبار مراجع التقليد من الشيعة، فكانوا يقيمون مجالس العزاء على أبي عبد الله الحسين عليه السلام، بصورةٍ علنيّة، وفي الأماكن العامّة، كلّما سنحت لهم الفرصة لذلك.وهذه كتب التاريخ تحدّثنا أنّ الشيعة كانوا يقيمون مراسم عزاء الإمام الحسين عليه السلام بصورة علنيّة كلّما أُتيح لهم ذلك، وفتحت لهم الحرّيّة أبوابها، وتنعّموا بقدرٍ منها، مهما كان ضئيلاً ومحدوداً، كما حدث فعلاً في عصر المأمون وبعض الخلفاء العباسيّين. غير أنّ هذه المراسم بدأت تُقام في الخفاء بعد عصر المعتصم، بسبب كثرة المضايقات التي مارسها عليهم الحكّام الظالمون في تلك العصور.. وقد استمرّ الوضع على هذه الحال إلى أن تسلّم السلطة معزّ الدولة الديلميّ- أحد كبار السلاطين البويهيّين -، وذلك في عام 352 هـ، والذي أمر – بشكلٍ رسميّ – بإقامة مآتم الحزن يوم عاشوراء في بغداد .وكذلك اهتمّ ملوك الفاطميّين وخلفاؤهم في مصر بإقامة المآتم ومراسم العزاء . فجعلوا القاهرة التي كانوا قد شيّدوها حديثاً كبغداد، فسيّروا فيها مواكب العزاء الحسينيّ يوم عاشوراء بالقاهرة.ومنذ ذلك الحين، تواصلت مراسم العزاء الحسينيّ، يرتفع مستواها تارةً، وينخفض أُخرى، إلى أن بلغت في عهد التيموريّين القمّة في الروعة والجدّيّة والاهتمام، وهكذا حتّى اتّسعت حركة هذه المواكب وانتقلت إلى العديد من الدول الآسيويّة، كإيران، وعددٍ من الدول العربيّة وبلدان شمال أفريقيا.إنّ حرارة دماء الإمام الحسين عليه السلام وأنصاره الأوفياء، لا زالت تؤجّج النيران في قلوب أبناء الأمّة الإسلاميّة، وتدفعهم، في كلّ عام أكثر من سابقه، نحو إحياء هذه المناسبة، والحفاظ على تلك التضحيات، بحماسةٍ منقطعة النظير. بل يمكن القول: إنّ المجالس التي تُقام في المناطق الشيعيّة في إحياء ذكر أولياء الله تعالى، وبخاصّةٍ: ذكر مصيبة المولى أبي عبد الله عليه السلام، لا يضاهيها مجلس دينيّ، ولا سياسيّ، ولا أدبيّ، ولا اجتماعيّ آخر.وقد بلغت أهمّيّة يوم عاشوراء حدّاً دفع بالكثيرين من أهل السنّة، فضلاً عن الشيعة، إلى أن يقيموا المآتم ومجالس العزاء ، وهو أمر طبيعيّ للغاية, لأنّ الأمر بالمودّة في القربى ليس مختصّاً بالشيعة فحسب. كما أنّ كثيراً من أتباع الأديان السماويّة يظهرون المودّة والاحترام للإمام الحسين عليه السلام، ويشعرون لدى سماعهم اسمه الشريف بحالةٍ من القرب والعلاقة الوطيدة التي تصل أحياناً إلى حدّ العشق والوله الشديد، ويقيمون عليه المآتم والمجالس، بخاصّةٍ في أيّام عاشوراء، ولا يبخلون في سبيل هذا الأمر المقدّس بأموالهم وأوقاتهم،وتراهم محزونين مغمومين في ذلك الشهر الذي هو شهر حزنٍ وغمّ على آل محمّد صلى الله عليه وآله وسلم، وبذلك، فهم يتعلّمون الإيثار والتضحية من مدرسة العشق للإمام الحسين عليه السلام.



