تقليص نفقات الرئاسات خطوة محورية لمعالجة الأزمة المالية

تنفيذها منوط بالحكومة المقبلة
المراقب العراقي/ أحمد سعدون..
في ظل الضغوط المالية وتراجع الموارد غير النفطية، عاد ملف ترشيد الإنفاق الحكومي إلى الواجهة بقوة، بعد قرار رئيس الوزراء المنتهية ولايته محمد شياع السوداني بتقليص النفقات في مكتب رئيس مجلس الوزراء، عبر دمج وتنظيم عدد من التشكيلات وإعفاء مستشارين وخبراء ضمن خطة لخفض المصروفات الإدارية.
القرار أثار تفاعلاً شعبياً واسعاً، إذ اعتبره كثيرون خطوة في الاتجاه الصحيح، لكنها جاءت متأخرة، وكان يفترض أن تُتخذ منذ السنوات الأولى لتشكيل الحكومة، لا في ختام ولايتها، مؤكدين أهمية هذه الخطوة وتحويلها إلى نهج مؤسساتي دائم يُطبّق على جميع مفاصل الدولة، لا أن يبقى إجراءً ظرفياً مرتبطاً بظروف اقتصادية ضاغطة.
وبحسب مصادر نيابية، فإن عدد مستشاري الحكومة الحالية قارب 200 مستشار، في وقت يحدد فيه القانون العدد بستة فقط، هذا الفارق الكبير يسلط الضوء على إشكالية توسع ظاهرة المستشارين خارج السياقات القانونية، نتيجة المحاصصة الحزبية والمجاملات السياسية، ما أدى إلى تضخم إداري انعكس بشكل مباشر على حجم الإنفاق التشغيلي.
اقتصاديون يؤكدون، أن كلفة المستشارين لا تقتصر على الرواتب العالية، بل تمتد إلى مخصصات الحمايات والعجلات الرسمية والمكاتب والتجهيزات اللوجستية، وهو ما يثقل الموازنة العامة بنفقات ثابتة لا ترتبط بإنتاجية واضحة أو أثر ملموس في صناعة القرار، مبينين، أن الكثير من هؤلاء المستشارين لم يكن لهم دور فاعل في رسم السياسات الاقتصادية أو معالجة الأزمات المتلاحقة، ما جعل وجودهم أقرب إلى عبء مالي منه إلى قيمة مضافة.
المطالب الشعبية ذهبت أبعد من قرار مكتب رئيس الوزراء، داعية إلى تعميم الإجراءات على الرئاسات الثلاث، بدءاً من رئاسة الجمهورية مروراً برئاسة مجلس الوزراء وانتهاءً برئاسة البرلمان، فضلاً عن مكاتب كبار المسؤولين في الوزارات والهيآت المستقلة والمحافظات.
ويرى الخبير الاقتصادي د. فالح الزبيدي في حديث لـ”المراقب العراقي”، أن “الإصلاح الحقيقي يجب أن يبدأ من القمة، ليمنح الشارع رسالة واضحة بأن الدولة جادة في إعادة هيكلة إنفاقها قبل التفكير بفرض ضرائب جديدة أو رفع الرسوم والخدمات”.
وأكد الزبيدي، “ضرورة تشريع قانون ملزم يحدد سقفاً واضحاً لعدد المستشارين في كل من رئاسة الوزراء ورئاسة الجمهورية ورئاسة البرلمان، وأن يكون هذا السقف ثابتاً عبر جميع الدورات الحكومية، لا يخضع للاجتهادات أو الاستثناءات”، مبيناً، ان “التشريعات الحالية، وإن وجدت، غالباً ما يتم الالتفاف عليها عبر عناوين وظيفية مختلفة أو عقود استشارية مؤقتة تتحول بمرور الوقت إلى دائمة”.
وأضاف، أن “تقليل المستشارين أو ما يسمّى بالخبراء، لا يعني فقط تقليل الأعداد، بل إعادة تعريف الحاجة الفعلية لكل منصب، وربط التعيينات بمعايير الكفاءة والخبرة والتخصص، بعيداً عن الانتماءات السياسية، مشدداً على ضرورة ان يكون الأصلح الإداري، جزءاً من رؤية أوسع لإعادة هيكلة الجهاز الوظيفي، تشمل تقييم الأداء، وتفعيل الرقابة، وربط الرواتب والمخصصات بمؤشرات إنتاجية”.
وتابع الزبيدي، ان “تقييم عمل الموظفين يجب ان يكون مساراً حكومياً تتبعه في جميع القطاعات، وان يكون عامل الخبرة والكفاءة ورفع مستوى الإنتاج، معياراً حقيقياً لتقييم أية وظيفة، وكذلك يجب إبعاد المحاصصة والعمل الحزبي عن الهيكل الإداري للدولة”.
وفي ظل هذا المشهد، يبقى السؤال الأهم، هل يتحول تقليص أعداد مستشاري مكتب رئيس الوزراء إلى بداية إصلاح إداري شامل يعيد رسم ملامح الدولة في كل مفاصلها، أم أنه سيبقى قراراً مؤقتاً يتعلق بالأزمة المالية التي يمر بها البلد حالياً؟، هذا ما سيتضح مع أولى قرارات الحكومة القادمة، ومدى قدرتها على تحويل شعار التقشف إلى واقع مؤسسي دائم.



