اخر الأخبارالنسخة الرقميةتقارير خاصةسلايدر

منافذ الإقليم غير القانونية تنعش التهريب وتحتال على “الاسيكودا”

بعد تطبيق الأنظمة الرقمية بالحدود


المراقب العراقي/ أحمد سعدون..
في لحظة بدت مفصلية ضمن مسار الإصلاح الاقتصادي، شرعت الحكومة العراقية بتطبيق التعرفة الكمركية الجديدة واعتماد نظام “الاسيكودا” العالمي في المنافذ الحدودية، بخطوة عدّها مراقبون تحولاً طال انتظاره، بعد عقود من الهشاشة وقلة الرقابة التي لازمت الاقتصاد العراقي، نتيجة الاعتماد شبه الكلي على النفط كمصدر وحيد للموازنات العامة، مع إهمال مزمن للقطاعات الإنتاجية الحيوية كالصناعة والزراعة والتجارة المنظمة.
هذا الإجراء لم يأتِ من فراغ، بل جاء استجابة لضغوط داخلية وخارجية، وحاجة ملحة لإعادة ضبط حركة الاستيراد والتصدير، ووضع حد لأساليب العمل البدائية التي كانت سائدة في المنافذ الحدودية، حيث تدار العمليات الكمركية في كثير من الأحيان بالمساومة والرشوة، بعيداً عن أي أنظمة رقمية أو معايير شفافة، ما فتح الأبواب على مصاريعها أمام الفساد والتهريب وخسائر مالية فادحة للخزينة العامة.
ومع بدء تطبيق الاسيكودا، وهو نظام عالمي معتمد في عشرات الدول لتنظيم العمليات الكمركية إلكترونياً، بدأت ملامح التغيير تظهر تدريجياً، إذ أسهم النظام في رفع مستوى الإيرادات حسب بيانات هيأة الكمارك مؤخرا، بالإضافة الى توحيد الإجراءات، وتقليص نفوذ الأشخاص الذي طالما كان مدخلاً للفساد.
غير أن طريق الإصلاح، كما يبدو، لم يكن سهلاً، فقد واجهت هذه الخطوة، مقاومة شديدة من قبل شبكات السماسرة والمستفيدين من نظام الاستيراد السابق، الذين وجدوا في الإجراءات الجديدة، تهديداً مباشراً لمصالحهم ونفوذهم المتراكم عبر سنوات طوال، تلك الأطراف سعت بوسائل متعددة، إلى إرباك التطبيق وإثارة الرأي العام، عبر تحميل الحكومة، مسؤولية ارتفاع بعض الأسعار، متجاهلين حقيقة أن الفوضى السابقة كانت تستنزف الاقتصاد وتضرب المنتج الوطني في الصميم.
وفي مقابل هذا التقدم، يرى مراقبون بروز إشكالية لا تقل خطورة، تتعلق بوجود منافذ حدودية غير شرعية، خصوصاً تلك الواقعة ضمن إقليم كردستان، والتي ما تزال تعمل خارج سلطة وإشراف الحكومة الاتحادية، وقد سلّط رئيس هيأة المنافذ الحدودية، الفريق عمر الوائلي، الضوء على هذه القضية خلال استضافته في إحدى جلسات مجلس النواب مؤخراً، مؤكداً، أن تلك المنافذ تمثل ثغرة خطيرة في الجدار الاقتصادي للدولة، وتسهم بشكل مباشر في زيادة عمليات التهريب، وتشجع عدداً كبيراً من التجار على إدخال بضائعهم بطرق غير قانونية، هرباً من التعرفة الكمركية والإجراءات النظامية.
تحذيرات الوائلي لم تكن معزولة، بل جاءت منسجمة مع آراء مراقبين وخبراء اقتصاديين، شددوا على أن استمرار عمل هذه المنافذ يقوّض أي جهد إصلاحي تبذله الحكومة الاتحادية، ويُفرّغ مشروع الأسيكودا من مضمونه، إذ لا يمكن تطبيق نظام عالمي صارم في جزء من البلاد، بينما يترك الجزء الآخر مفتوحاً للفوضى والتهريب.
وأكد المهتم بالشأن الاقتصادي عبد الحسن الشمري في حديث لـ”المراقب العراقي”، أن “المنافذ غير الرسمية سواء في إقليم كردستان أو مناطق أخرى باتت تشكل على المستوى الاقتصادي، خاصرة رخوة لقرارات الحكومة الاتحادية، ليس فقط في ملف المنافذ غير الشرعية، وانما بملف تهريب النفط، وصولاً إلى حركة البضائع الرديئة غير الخاضعة للرقابة الحكومية”.
وأضاف، ان “هذه الخروقات باتت تلحق أضراراً مزدوجة بالاقتصاد الوطني، عبر حرمان الخزينة من الإيرادات، وإغراق الأسواق بسلع غير مفحوصة تنافس المنتج المحلي بشكل غير عادل، كما يشجع التجار الجشعين على اللجوء الى المنافذ غير الشرعية للتخلص من الرسوم والتعرفة الكمركية الجديدة”.
وشدد الشمري على أن “نجاح أي مشروع اصلاح اقتصادي مرهون بجرأة القرار السياسي وقدرته على فرض سلطة الدولة على جميع المنافذ دون استثناء، وغلق المنافذ غير القانونية، وتوحيد السياسة الكمركية، بما يضمن تعظيم الإيرادات غير النفطية، ويعيد الاعتبار لهيبة القانون، ويضع الاقتصاد العراقي على سكة أكثر استقراراً وعدالة، لكي يعيد الثقة بين التاجر الملتزم والحكومة التي غيّبها الفساد والمصالح الحزبية طيلة السنوات السابقة” .
ويجمع المختصون على ان أي اصلاح لا يقاس بإصدار القرارات فقط، بل بقدرة الدولة على حمايتها من الالتفاف، وتحويلها من نصوص وإجراءات إلى واقع ملموس في جميع المنافذ الحدودية، يشعر به المواطن باستقرار السوق، وحماية المنتج الوطني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى