اراء

الصين تتجاوز الحدود.. من الصناعات البسيطة إلى الابتكار التكنولوجي

بقلم: شاهر الشاهر..

يعيش العالم مخاض ولادة نظام عالمي جديد، مكّنتنا الثورة العلمية والتكنولوجية من مواكبة لحظاته، ومتابعة تغيّراته، حتى بتنا نشعر أننا أصبحنا جزءاً من تلك التغيّرات، نعيش ارتداداتها وندفع ضريبة الصِدام بين القوى الدولية الكبرى.

العالم لا يعرف الفراغ، وكل تراجع لقوة يقابله صعود لقوى أخرى تسعى لإعادة توزيع النفوذ. وهو ما ينطبق اليوم على “صعود الصين” واحتدام المنافسة بين موسكو وواشنطن.

إرهاصات الانتقال إلى نظام عالمي جديد جاءت نتيجة ضعف الولايات المتحدة، وغياب دورها على الساحة الدولية كحامٍ للقانون الدولي ومدافع عن المنظمات الدولية التي أسستها.

تراجع القيم الليبرالية والمبادئ التي حمت العالم، جعلنا نعيش اليوم سطوة القوة وجبروتها، إذ ترى أمريكا أن لا معنى للقوة إذا لم تُستخدم.

القوى العظمى لا تتلاشى فجأة، بل يبدأ دورها بالتراجع التدريجي، فتتحوّل من “فاعل” صانع للقواعد إلى “موضوع” تتصارع عليه القوى الصاعدة الجديدة.

الحرب في أوكرانيا أخرجت أوروبا من ساحة المنافسة، فلم تعد أوروبا قوية لدرجة أن تفرض إرادتها، وليست ضعيفة إلى حد يمكن للقوى الأخرى تجاهلها، وبالتالي لا بدَّ من التعامل معها وفقاً لما تشكله من ثقل على الساحة الدولية اليوم، لا كما كانت في الماضي.

صمود روسيا وقدرتها على تحقيق انتصارات في أوكرانيا جعلا من المتوقع أن تكون أحد أقطاب النظام الدولي القادم، بل إن الكثير من الاستراتيجيين بات يتحدث عن اتفاق القوى الدولية الثلاث (أمريكا وروسيا والصين) على تقاسم النفوذ في العالم.

الجيل Z من الشركات الصينية

الجيل “زد” الصيني هو جيل جديد من الشباب المولودين بين عامي 1997 و2012، يتميزون بكونهم رقميين بالكامل، نشأوا في بيئة تقنية، ويحظون بدعم مادي أكبر من عائلاتهم. هذا الجيل يغيّر سوق العمل في الصين بتوقعاته الجديدة وصعوباته في التواصل والالتزام. وبالقياس يمكن القول، إن هناك الجيل زد من الشركات الصينية الذي بات يفرض نفسه على الاقتصاد العالمي مغيراً قواعد المنافسة والأسعار.

الحضارة الغربية كرّست المادية فأصبحت قيمة الدولة تقدر بحجم اقتصادها، ومن يقرأ التقارير الدولية يعتقد أن الصين ستسقط في عام 2025، وسط حديث الدول الغربية عن تباطؤ الاقتصاد الصيني وتأثره بأزمة كوفيد 19، وأزمة العقارات وتراجع التركيبة الديمغرافية للمجتمع الصيني…إلخ. الذي حدث أن الصين فاجأت العالم محققة فائضاً اقتصادياً يقدر بـ 1.3 تريليون دولار في عام 2025.

العالم اليوم ينتقل من حالة “الاقتصاد الصناعي التقليدي”، إلى “الاقتصاد الشبكي” القائم على تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي الذي تتنافس عليه الصين والولايات المتحدة.

لم تكن الصين مصدر قلق للولايات المتحدة الأمريكية عندما كانت تركز صناعاتها على المنتجات البسيطة مثل الألبسة والأدوات المنزلية وألعاب الأطفال…إلخ، على الرغم مما حققته من أرباح اقتصادية كبيرة من تلك الصناعات.

انتقال الصين إلى التركيز على الصناعات الثقيلة والمنافسة في قضايا التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي وإنترنت الأشياء جعلها مصدر تهديد، باعتبارها تسعى لامتلاك مصادر القوة.

في أيار 2015، أطلق مجلس الدولة الصيني، مبادرة “صنع في الصين 2025” كوثيقة حكومية، وجاءت استجابة مباشرة لتوجيهات المؤتمر الثامن عشر للحزب الشيوعي 2012، الذي شدّد على ضرورة تحويل الصين من مصنع العالم إلى قوة صناعية رائدة، وتعزيز الابتكار والاعتماد على الذات تكنولوجياً.

أنشأت الصين نحو 800 صندوق حكومي بقيمة 2،2 تريليون يوان حتى 2017 لدعم البحث والابتكار الصناعي في إطار قطاعات مبادرة صنع في الصين 2025، وشملت الإجراءات تقديم قروض وحوافز ضريبية وائتمان موجّه لتعزيز تنافسية الشركات المحلية، والاستثمار الخارجي لاكتساب التكنولوجيا المتقدمة. كما دمجت الشركات المملوكة للدولة لتشكيل كيانات وطنية رائدة، وشجعت ظهور منافسين محليين وصغار مبتكرين، في الوقت نفسه، فرضت قيوداً على دخول الشركات الأجنبية لضمان تفوّق المحليين، مع انتقاء الاستثمارات الأجنبية في المجالات الحيوية لتكامل الخبرات وتسريع التطور التكنولوجي.

العلامات التجارية الصينية باتت تكتسح الصناعات الثقيلة كصناعة السيارات الكهربائية عبر شركة BYD التي تجاوزت مبيعاتها، مبيعات شركة تسلا الأمريكية، وتصدر أكثر من 20% من إنتاجها إلى خارج الصين.

أكثر من 50 ألف شركة صينية أنشأها رجال أعمال صينيون في 190 دولة في العالم، ضمن مبادرة “الحزام والطريق”، وبلغت قيمة الاستثمارات الخارجية الصينية أكثر من 174 مليار دولار في عام 2025، وفقاً لتقديرات وزارة التجارة الصينية. كما أطلق مسؤولون صينيون صناديق استثمارية تجاوزت 337 مليار دولار لدعم الشركات الناشئة.

مناخ استثماري لا يعتمد على المنافسة السعرية فقط، بل على الجودة والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، وتبني استراتيجية توسعية تعتمدها الشركات الصينية مثل تيك توك وهواوي وشاومي وعلي بابا، حيث لجأت هذه الشركات إلى بناء المصانع خارج الصين والاعتماد على اليد العاملة غير الصينية.

هذا التحول يعكس انتقال الصين من نموذج “مصنع العالم” إلى منتج عالمي للعلامات التجارية وسلاسل القيمة المتكاملة، ما يمنح هذه الشركات مصادر دخل أكثر تطوراً واستقراراً، وقدرة أكبر على المنافسة في الجودة والسعر معاً.

اقتصادياً، هذا يعني اشتداد المنافسة على الشركات الغربية مع تزايد نفوذ الصين على الأسواق الناشئة والمتقدمة وإعادة رسم خريطة الاستثمار والتجارة العالمية في ظل سعي الشركات الصينية للتحوّط من المخاطر الجيوسياسية عبر الانتشار الجغرافي الواسع.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى