اراء

إيران وتحولات العقيدة العسكرية.. قراءة استراتيجية في أبعاد الردع الإقليمي

بقلم: محمد أحمد سهيل المعشني..

تشير المعطيات الميدانية والسياسية إلى أن إيران انتقلت فعلياً من مرحلة “الصبر الاستراتيجي” إلى مرحلة “الدفاع النشط”، وهو تحول جذري في عقيدتها العسكرية يهدف إلى كسر قواعد الاشتباك التي سادت لعقود. هذا التحول ليس مجرد خطاب، بل إعادة هيكلة لطريقة الرد على التهديدات المباشرة، ما يضع الاستراتيجيات الأمريكية والإسرائيلية أمام اختبارات معقدة وغير مسبوقة.

التحولات الإيرانية والردع المباشر

أكدت القيادة العسكرية الإيرانية، أن تعزيز القدرات الصاروخية والمسيرة جزء من استراتيجية الردع الشامل، وأن أي اعتداء على الأراضي الإيرانية سيقابَل برد فوري ومتعدد الأبعاد. وقد شدد المرشد الأعلى الإيراني على أن أي هجوم أمريكي قد يؤدي إلى “حرب إقليمية واسعة”، في حين أوضح عباس عراقجي، نائب وزير الخارجية، استعداد طهران للمفاوضات شرط عدم المساس بقدراتها الدفاعية. هذا يعكس استراتيجية متوازنة تجمع بين الردع والمفاوضات الدبلوماسية في آن واحد.

الموقف الأمريكي والتحليلات البحثية

أعلن الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب عن وجود مفاوضات جارية مع إيران لتجنب أي تصعيد، مع إبقاء الخيار العسكري قائماً كأداة ضغط. وتشير تحليلات مراكز بحثية مثل معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى ومشروع الأمن الأمريكي إلى أن أية ضربة عسكرية قد تجر المنطقة نحو صدام شامل، خصوصاً مع قدرة إيران على الرد بصواريخ دقيقة ومسيرات متطورة تستهدف المصالح الأمريكية وحلفاءها. ويؤكد الباحثون، أن أية مغامرة عسكرية من هذا النوع قد تؤدي إلى مواجهة طويلة وغير محسوبة النتائج، ما يجعل الحسابات دقيقة وحرجة.

الرؤية الإسرائيلية

تل أبيب تعتبر هذه التحولات تحدياً لمنظومة الردع التقليدية. وأكد معهد الأمن القومي الإسرائيلي (INSS) أن تطوير الصواريخ الباليستية والمسيرات الإيرانية قد يفرض إعادة حسابات استراتيجية صارمة، إذ لم يعد بإمكان إسرائيل الاعتماد على ضربات “بلا ثمن”. وتشير التحليلات الإسرائيلية إلى ضرورة ضبط الضغط العسكري لتفادي تصعيد غير محسوب، مع مراعاة قدرة إيران على الرد بشكل نوعي.

الجهود الدبلوماسية والوساطات الدولية

وسط هذا التصعيد، برزت جهود روسيا وتركيا كوسطاء لتخفيف حدة التوتر، مع تأكيد الكرملين على أن الحل العسكري سيزيد الوضع تعقيداً. تركيا من جانبها تركز على فتح مسارات تفاوضية لتهدئة المنطقة، بينما تصر إيران على أن الحوار يجب أن يقتصر على القضايا النووية والسياسية دون المساس بمنظومتها الدفاعية، ما يعكس رغبتها في موازنة الردع مع العملية التفاوضية.

التحليل الاستراتيجي والتوقعات

إن ما تفعله إيران اليوم يعيد صياغة قواعد الردع، حيث يُقاس النفوذ بالقدرة على إدارة التهديدات لا بحجم الحشود العسكرية. وتظل الوساطات الدولية الأمل الأبرز لتجنب صدام شامل، رغم أن أي خطأ في الحسابات قد يؤدي إلى تصعيد سريع.

يبقى السؤال: هل ينجح الردع الإيراني الجديد في إعادة التوازن الإقليمي، أم أن غياب الثقة سيبقي المنطقة على شفير أزمة مفتوحة؟ الواقع يشير إلى أن التفاوض المرتكز على توازن القوى يمثل السبيل الأهم لاحتواء الأزمة ومنع انفجار غير مرغوب فيه، ومع ذلك، يظل الجميع مستعداً لهذا الاحتمال بجدية.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى