“المدينة.. ذاكرة الطين والسيسبان” حين يمتزج الفقر بالدفء الإنساني

المراقب العراقي/ المحرر الثقافي..
يرى الناقد قيــس المختــار، ان النص في كتاب “المدينة.. ذاكرة الطين والسيسبان” للكاتب جبار أحمد، لا يسير في خط مستقيم، بل يتشظى مثل ذاكرة تتناثر في أزقة المدينة، كل صورة تعد ومضة، كل مشهد هو جرح أو قبس نور، كأن الكتابة هنا أنفاس متقطعة أو خطوات أطفال في الطين.
وقال المختار في قراءة نقدية خص بها “المراقب العراقي”: إن “كتاب (المدينة.. ذاكرة الطين والسيسبان) صدر للكاتب جبار أحمد عن مؤسسة رضا علوان الثقافية في حجم متوسط أنيق، وقد جرى توقيعه والاحتفاء به في أمسية خاصة أقامها نادي الكتاب و(منظمة اليونسكو) في مقهى رضا علوان”. كان الكاتب قد دعاني شخصيا لحفل التوقيع.. وأجدها فرصة هنا لأتقدم له بالشكر على هذه الدعوة الكريمة.. غير أنني وبكل أسف غبت عنه بسبب وعكة صحية ألمت بي في ذلك اليوم.. ففاتتني لحظة الاحتفاء الأولى بهذا النص المهم”.
وأضاف: ان “الكتاب تصفحته بشغف، وبين الصفحات، وقعت عيني على صور سردية آسرة: أطفال يركضون حفاة في الأزقة الطينية.. نساء يخبزن في التنور ورائحة الخبز تعبق المكان، أسواق تضج بالصخب والنداء، ونبات السيسبان يطل من أطراف البيوت كرمز للبراءة التي تنمو رغم قسوة الأرض وهذه المشاهد ليست مجرد ذكريات شخصية، بل تتحول إلى علامات دلالية على هوية مدينة الصدر (الثورة) حيث يمتزج الفقر بالدفء الإنساني والحرمان بالتضامن الشعبي”.
وأوضح، ان “النص لا يسير في خط مستقيم، بل يتشظى مثل ذاكرة تتناثر في أزقة المدينة، كل صورة هي ومضة، كل مشهد هو جرح أو قبس نور، كأن الكتابة هنا أنفاس متقطعة، أو خطوات أطفال في الطين، أو نداءات الباعة في السوق، اللغة نفسها تتحول إلى فضاء مقاوم، حيث الكلمات المحلية ــ التنور.. السيسبان.. الأزقة ــ تصبح حجارة تبني بيتا لغويا يحمي الذاكرة من التهميش”.
وأشار الى ان “الكتاب يطرح أسئلة وجودية: هل المدينة مجرد عمران.. أم أنها كائن حي يتشكل من تجارب ساكنيه؟ هل الذاكرة الفردية قادرة على أن تصبح ذاكرة جماعية تحفظ هوية مهددة بالزوال؟ هل الكتابة فعل شفاء.. أم مجرد محاولة لتضميد جراح لا تندمل؟ هنا.. الطين ليس مجرد مادة للبناء.. بل هو ثقل الواقع.. فيما السيسبان ــ ذلك النبات البري ــ يصبح استعارة عن القدرة على البقاء ــ عن البراءة التي لا تنطفئ حتى في أقسى الظروف”.
وبين، ان “هذا الكتاب يضعنا في سياق أوسع من أدب الذاكرة العراقية والعربية. فكما كتب فاضل العزاوي عن طفولته في كركوك بلغة شعرية.. وكما استعاد شاكر جابر تفاصيل الحياة الشعبية في بغداد.. يأتي جبار أحمد ليضيف صوت مدينة الصدر.. المدينة التي كثيرا ما ظهرت في الأخبار والسياسة.. لكنها نادرا ما كتبت بذاكرة وجدانية. ويمكن أن نقارن هذا النص بمشاريع عربية مثل (ذاكرة للنسيان) لمحمود درويش.. أو أعمال عالمية مثل (اطلال الذاكرة) للكاتب الألماني دبليو. جي. زيبالد.. حيث تتحول الشظايا السردية إلى أسلوب عالمي لكتابة تأريخ الصدمة”.
ولفت الى ان “قوة الكتاب تكمن في صدقه العاطفي وشفافيته، إنه لا يجمل الفقر.. ولا يحوله إلى رومانسية.. بل يضعه في مواجهة مع دفء العلاقات الإنسانية. النص يفتح نافذة على حياة الناس البسطاء.. ويعيد الاعتبار لتجاربهم اليومية التي شكلت جزءا أصيلا من الهوية العراقية”.
وأكمل: “في النهاية، ينجح الكتاب في أن يكون أكثر من مجرد نص أدبي، إنه شهادة وجدانية وصرخة حنين، ومحاولة لتضميد جراح مدينة كتبت نفسها بالطين والسيسبان”.
وختم بالقول: ان “جبار أحمد يترك لنا سؤالا مفتوحا: هل يمكن للمدينة أن تشفى بالكتابة؟ أم أن الكتابة ليست سوى محاولة لإبقاء ذاكرتها حية في مواجهة النسيان؟ ربما تكون الكتابة هنا هي السيسبان نفسه: فعل نمو بري وعنيد في تربة الذاكرة القاسية.. رسالة بأن الحياة والفن يستمران رغم كل شيء”.



