غفلة الإنسان

كلُّ إنسان مرشّح، لكي يتحوّل إلى وحش كاسر وذئب فاتك وضبع غادر يرتع حيث الشهوات والشبهات والمحرّمات، وفي أحسن الفروض هو مرشّح لكي يتحوّل إلى بهيمة مربوطة كما وصفها أمير المؤمنين (عليه السلام): (فَمَا خُلِقْتُ لِيَشْغَلَنِي أَكْلُ الطَّيِّبَاتِ كَالْبَهِيمَةِ الْمَرْبُوطَةِ هَمُّهَا عَلَفُهَا أَوِ الْمُرْسَلَةِ شُغُلُهَا تَقَمُّمُهَا تَكْتَرِشُ مِنْ أَعْلَافِهَا وَتَلْهُو عَمَّا يُرَادُ بِهَا أَوْ أُتْرَكَ سُدًى أَوْ أُهْمَلَ عَابِثاً أَوْ أَجُرَّ حَبْلَ الضَّلَالَةِ أَوْ أَعْتَسِفَ طَرِيقَ الْمَتَاهَةِ).
والمشكلة بل المأساة، أنّ الإنسان يغفل عادة عن هذه المعادلة، وأنّه قد يتحوّل في ثانية واحدة، وفي منعطف خطير، إلى وحش، كصدّام أو هتلر أو الحجّاج أو فرعون، ولكن في مقاس أصغر، فهذا هو الفارق، أنّ ذاك وجد بحراً يسبح فيه من القوّة والسلطة والعُدّة والعِدّة، فقتل الألوف وعذّب الألوف، وأحدنا قد لا يمتلك إلّا ذرّة من السلطة والقوّة، لكنّه بقدرها يتحوّل إلى طاغوت ظالم ومعتدٍ آثم، على زوجته أو أولاده أو موظّفيه أو مرؤوسيه أو تلامذته، ولو أنّ سلطته توسّعت وازدادت لتكرست دكتاتوريته وتزايدت.
فما هو الفارق الحقيقي بين من يستضعف زوجته فيضربها، وبين من يستضعف شعبه فيقمعه، أي أنه لا فارق إلّا أنّ هذا امتلك سلطة أكبر فطغى مغطّياً بطغيانه حدود سلطته، وذاك امتلك سلطة أقلّ فطغى في حدود سلطته.
فليكن هذا نذيراً لنا ألا نظلم أحداً حتّى الظلم اليسير، فإنّ من تجرّأ على الظلم اليسير يتجرّأ على الظلم الخطير، فكيف بمن اعتاد على الظلم في حدود سلطاته؟ وكيف يتصوّر أنّه سيقوم بانقلاب جوهري على ذاته لو صار رئيس الوزراء مثلاً، ويصبح عادلاً فجأة؟ إنّ ذلك لهو المحال فهو العادي بعينه، وقد وردت عن أمير المؤمنين (عليه السلام) روايات يستفاد منها ما مضمونه (إذا أردت أن تنظر إلى مستقبل الدنيا فانظر إلى ماضيها)، وكذلك ماضي الأفراد فإنّه مرآة مستقبلهم، إلّا من استعصم بالله وجاهد نفسه أشدّ الجهاد وأقلع عن الظلم اليسير كي يحفظه الربّ الجليل عن الظلم الخطير.
وكما سبق، فإنّ المشكلة هي في غفلتنا عادةً عن تلك الحقيقة الصارخة، وهي أنّ كل واحدٍ منّا مرشّح لأن يتحوّل، في أيّة مرحلةٍ من مراحل حياته، إلى وحشٍ كاسر، ولذلك فإنّ من التفت، بل كان شديد الالتفات، يحتاط ويحذر بل ويشتدّ حذره، لكنّ الغافل لا.
إنّ مَثَلَنا في مواجهة هذا الخطر المترصد بنا دوماً، كمثل قومٍ ساروا في صحراء موحشة، حتى إذا أوشكت الشمس على المغيب، نصبوا خيمةً بأرضٍ مليئةٍ بالعقارب والأفاعي والحيات، ولم يكن لهم من دونها من واقٍ، فإنّهم إذا أرادوا النوم، أبقوا أحدهم مستيقظاً حتى الصباح، ولو على سبيل البدل، كي يحرسهم من أيّ ثعبانٍ يتسلّل من الأطراف أو عقربٍ تخرج من خُلَل الرمال أو فروج الصخور، فإذا لم يفعلوا ذلك، عرّضوا أنفسهم جميعاً لأسوأ أنواع المخاطر.
والنفس الإنسانيّة أخطر على الإنسان من هذه العقارب والأفاعي، كما أنها أقرب إليه منها ولئن كانت العقارب قد تبتعد حيناً بل أحياناً، فإنّ النفس لا تبتعد أبداً بل هي ملازمة للمرء دوماً، وإذا كانت العقارب قد تنام، فإنّ النفس الأمّارة بالسوء لا تنام، ولئن كان من الممكن القضاء على عقارب الأرض المحيطة بالإنسان فرضاً، فإنّه لا يمكن القضاء على النفس الأمّارة بالسوء أصلاً، بل إنّها تبقى كما تبقى النفس الصالحة طوال حياته دوماً أبداً (وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا) بل أنها تهدد حتى أعظم الأولياء حتى إنّ يوسف النبي يقول: (وَما أُبَرِّئُ نَفْسي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ ما رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحيمٌ).



