اخر الأخبارالنسخة الرقميةتقارير خاصةسلايدر

القطاع الخاص العراقي قوة غائبة في معادلة التنمية الاقتصادية

بسبب البيروقراطية والفساد


المراقب العراقي/ أحمد سعدون..
في ظل الصورة الراهنة للاقتصاد العراقي، يعاني القطاع الخاص، شللاً تاماً وعدم جدوى أية محاولات حكومية لتحريك عجلته الى الأمام، وعلى الرغم من الخطاب الرسمي الذي يتحدث بثقة عن تمكين هذا القطاع والانتقال من اقتصاد الدولة إلى اقتصاد السوق، لكن الأرقام تكشف عن مفارقة قاسية، فالجزء الأكبر من التمويل والقرار لا يزال يدور في فلك الحكومة، فيما يترك القطاع الخاص عند الهامش، ويحاصر بالقيود البيروقراطية والفساد.
ويعمّق النظام المصرفي في البلاد هذه الصورة السوداوية، عن القطاع الخاص دون تصحيحها، فبدل أن يكون هو الجزء الذي يقوي هذا القطاع، بدأ يتحول تدريجياً إلى خزنة موازية لتمويل الدولة نفسها، وهذا يبدو واضحاً من خلال بيانات البنك المركزي العراقي التي تشير بوضوح إلى ان نسبة استحواذ القطاع الحكومي على التمويل تتصاعد على حساب حصة القطاع الخاص، ففي نهاية عام 2024 بلغت حصة الحكومة من التمويل المصرفي نحو 9% من إجمالي موجودات الجهاز المصرفي، قبل أن تقفز لاحقاً إلى 16% من موجودات تقارب 276 تريليون دينار، بينما تتراجع نسبة ما يذهب إلى القطاع الخاص.
هذه الأرقام، وفق رؤية بيانات خبراء الاقتصاد تؤكد، ان الدولة تفضل أن تقترض من المصارف لتمويل عجزها بدل أن تفسح المجال أمام القطاع الخاص للتمدد عبر الائتمان والاستثمار.
وفي ظل التردي بهذا القطاع المفصلي، نرى المؤسسات الحكومية تعاني تضخما كبيرا ومتزايدا في أعداد موظفيها وهي في تزايد مستمر نتيجة تخرج الآلاف من الطلبة وهم يوجهون الأنظار الى القطاع الحكومي رغبته منهم في التعيين، وهذا ما نشاهده يومياً من احتجاجات مستمرة، يقابل ذلك اهمال كبير اتجاه المصانع والمعامل والتي بدورها يمكن ان تمتص جزءاً من أعداد الخريجين والأيدي العاطلة عن العمل .
وحول هذا الموضوع، يرى الخبير الاقتصادي ضياء المحسن في حديث لـ”المراقب العراقي”، ان “الدولة تستحوذ على الريع النفطي، وتوزعه رواتب وعقودًا ونفقات جارية، وتترك للقطاع الخاص هامشاً يتحمل فيه أغلب المخاطر من دون ضمانات حقيقية، مبيناً، ان المستثمر الذي يقرر أن يدخل في مشروع صناعي أو زراعي أو خدمي طويل الأمد، يواجه بيئة غير مستقرة مثل انقطاع كهرباء وتردي البنى التحتية وفرض غرامات مكلفة بدافع الرشوة، في المقابل، يجد المستثمر نفسه مضطراً إلى دفع أثمان غير رسمية في أكثر من حلقة، من الرخصة الأولى حتى إكمال العمل، وهكذا يصبح المشروع مغامرة مكلفة، بينما تبدو التجارة السريعة والاستيراد والمقاولات الشكلية أقل خطراً وأسرع مردودًا”.
وأضاف، ان “الحلقة الثانية من التعقيد وهي البيروقراطية في دوائر الدولة، بدءاً من الحصول على إجازة الاستثمار مروراً بشراء العقار والمعدات والمرور بسلسلة مراجعات تنتهي بالرشوة التي غالباً ما تكون أكبر من أي مشروع استثماري، مبيناً: ان “هذه البيروقراطية لا تعمل فقط كعائق زمني ومالي أمام المشروع، بل خلق شعور لدى المستثمر بعدم ثقته بالحكومة، ممّا يولد لديهم عزوف دائم عن استثمار أي مشروع يشجع على المنتج المحلي ويضطر أصحاب رؤوس الأموال الهروب الى الخارج للاستثمار”.
وأشار الى ان “هذه التعقيدات دفعت بالتاجر أو المستثمر الى البحث عن السلع المستوردة رغم رداءتها، لكنها تحقق أرباحاً سريعة على حساب المنتج المحلي والذي تتحمل الدولة بدورها تبعات تأخر هذا المفصل المهم والحيوي في مسار التنمية الاقتصادية للبلد”.
بينما يرى مراقبون، إن “تخلّف القطاع الخاص في العراق لا يعد مسألة اقتصادية معزولة، بل هو انعكاس مباشر لتراكمات سياسية وإدارية وهيكلية طويلة الأمد، جعلت هذا القطاع عاجزاً عن أداء دوره الطبيعي في دعم التنمية وامتصاص البطالة وتنويع مصادر الدخل”، مؤكدين، ان “غياب البيئة الاستثمارية الجاذبة، وضعف التشريعات المحفزة، وهيمنة الدولة على مفاصل الاقتصاد، كلها عوامل أسهمت في إبقاء القطاع الخاص بدائرة الهشاشة والتبعية بدل أن يكون شريكاً حقيقياً في صنع القرار الاقتصادي”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى