ثقافية

حامد الحمراني.. رجل في الرونك سايد

1339

أحمد هاتف

اعرفه كما لا أعرفه وأكثر.. لأن المعرفة لم تك جاحدة.. بل معطاءة.. تهبك ما تريد لترشدك الى ما تود.. ليست تجاعيده سوى أسئلة وضحكات ظلت شاهرة خطوطها في وجهه.. فـ”الحمراني” يذاكر عالمه بالسخرية.. ينتهجها كحياة ضائعة.. كأنه يقتص منها سعاداته الغائبة.. بصوته الممزوج من حشرجة الريح وأصابع الأشجار يوقظ صوتنا.. ويعيدنا الى لحظتنا الطفلة.. وبرغم حنثه بقسم ترك التدخين الف مرة إلا إننا نصدق قسمه.. لأنك المتروك في حياته أكثر من المتحقق.. هو ابن القناعة لذا يأنف من السكون.. يكتب ليستخرج من بئر العراء يوسفه.. لأنه يؤمن بالبحث وباطن الأشياء.. لذا فهو دؤوب في قلب الطاولة على عاقل اللغة.. ليمد أصابعه في جيوبها المنسية مستخرجا منها “ضحكة مخبأة” ولحظة ساخرة.. وحكمة جارحه.هو رجل الحياة بتصنيف “7 نجوم”.. لم أره خاشعا تحت مزنة حزن.. فهو الوحيد فينا الذي يتجرأ في النظر عميقا في عيون أحزانه.. ليطلق أمامها أسئلته الساخرة.. تواضعه جعله بعيدا عن أضواء الميديا فلم ينل حقه من التعظيم الذي يستحقه بجدارة صرح أدبي عملاق.. هو ماغوط بغداد.. برغم أنه لا يشبه الا حامد الحمراني. أطلق “دعافيس” وصار يدعفس دائما.. والدعافيس بلغة أهل العراق هي الأشياء المهملة المكدسة.. ومن يدعفس فهو يبحث في بعض الأشياء غير المهمة.. والسؤال ما المهم حقا في هذي الحياة سوى الروح والسؤال؟ وهذا الرجل امتلك الروح واطلق السؤال فاستحق حياته واستحق جدارته واستحق تصفيقنا.. في كتبه تجد صوته “الرونك سايد” كأنك تجد ما مررت به ولم تره.. ما ازدحم فيك ولم تدركه.. ما تكدس حولك ولم تفقهه.. حامد صوت الأشياء التي لم نعتد سماع صوتها.. هذا الصحفي العتيد والشاعر المهمل.. قرر أن يفيق على (مد لسانه الصغير بوجه العالم الكبير).. قرر أن يحمل لافتته ويدور محتجا في طرقات ما نراه ونسكت عنه.. فيما نطالعه ولا نحتج عليه.. فيما نعيشه ويذبحنا.. لذا فهو القامة الأكثر استقامة فينا.. فهو وحده من يزيح عن كاهله أصواته الميتة.. وينظف جلد روحه بأصابعه الخشنة.. من الصعب قراءة الساخر لانه طريق زلقة لا تستقر.. بل تتعرج لتصل هدفها.. وبالتالي فهو مزيج من يقظة ووعي وفلسفة ودهاء لغوي وخزين معرفي وفهم يقظ للمشكلات اليومية.. قد يخدعك الساخر لانه يبطن الكثير ولا يحتمل ان يكون طُهرانيا.. فالدهاء صفة الساخر.. لكنه مع حامد طفولة.. براءة شيطانية لطفل كبر بالخطأ وعاش بالخطأ.. لكنه كتب بيقظة محاولا اختزال الخط الملتزي الطويل لحياته.يوم قرأت حامد الحمراني دهشت، كمن يشرب بلذة صرخت هذا هو الكاتب، لانه مزيج من فطنة حاذقة وجملة يغتسل بالفقه العميق للغة والألوان الطازجة لحياتها ونكهة أيقاع ثري. حامد يختزل الشارع، يختزل الاضطراب، يختزل الفوضى. والغريب أنه لا يرى في كل ما فعله فتحا، بل طريقة حياة.
حامد الحمراني، أيها المعجون بنكهات عراق الدم والغناء والجراغد والمقامات والعراضات والتسبيحات.. أنا أحبك.. فقط لأنك صوتي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى