ثقافية

نهار مشرب بالذعر

 

غسان عباس محسن

أصوات إطلاق العيارات النارية قد تكون دليلاً على وقوع حدث ما كعملية اختطاف أحدهم أو اغتيال أحدهم، لكن أحدا لم يتمكن من معرفة حقيقة ما كان يجري حتى بعد أن امتدت أعناق وأعين بعض رجال الشرطة وبعض العمال الموجودين في تلك الدائرة الحكومية، لكن كل شيء بدأ يتضح بعد مجيء الجنود الأمريكان، ألوان سياراتهم وملابسهم العسكرية المميزة كانت توحي لمن يراهم وكأنه يرى ميكروبات غريبة استوطنت في جسد هذا الوطن الغائر الجراح.
أقبل أحد رجال الشرطة قادما من ذلك المكان وقد احتارت ملامح وجهه الأسمر ما بين السخرية والأسى.. حكى للجميع عن ذلك الرجل الذي دفعته نشوة الخمر لان يطلق النار في جو بغداد الملبد بالاضطراب وفي وضح ذلك النهار المشرب بالذعر، ثم واصل الشرطي كلامه وبعض العمال الذين كان يقف في وسطهم شاب صغير تحلقوا من حوله واستمعوا إلى كلماته باهتمام بالغ.. لقد بكى الجبان مثل فتاة صغيرة عندما قيده الأمريكان.
بغداد، مدينة قادتها الحرب إلى طريق مظلم حتى وصلت بها إلى حافة الجنون، و”سلام” عامل البناء الصغير السن يحاول جاهدا أن يداري ذعره منها عن أستاذه في العمل بعدما رأى انه قد صار قاب قوسين أو أدنى من موت عبثي محقق، فتوجس خيفة لأول مرة في حياته القصيرة من ساعة انتهاء عمله.. شوارع بغداد صارت حيتانا تبتلع الصغير والكبير..
الحنين إلى القرية ومقت المدينة يبلغ ذروته عندما تصبح بعض أحياء المدينة بؤر ساخنة بالخوف، لحظات عصيبة تلك التي رافقت خروج “سلام” وأستاذه من ذلك المبنى ثم وقوفهما في الشارع بانتظار سيارة أجرة قد تقلهما إلى عالم آخر لا إلى ذلك الفندق البائس الذي كانا يبيتان فيه.
محاولة جعل النفس تتقبل فكرة احتمال الموت في أية لحظة وبطريق عنيفة قادت الفتى ذا الوجه البريء إلى أن يفكر في الشابة التي كان يهواها في قريته.. آه؛ هل أرى “نوال” مرة أخرى ام كل شيء سينتهي لتصبح من نصيب شخص آخر قاده حظه إلى البقاء في القرية والاقتناع بما كان يكسبه في أحدى الأعمال المتواضعة هناك..
لم يستطع سلام أن يمضي بعيدا في أفكاره وتخيلاته، فما كان يدور من حوله في تلك المدينة لم يدع له فرصة تذكر ملامح وجه “نوال” ابنه عمه، فقد بلغ قلبه الحنجرة مع توقف سيارة أجرة على مقربة منه ومن أستاذه، وفيما انشغل الثاني بمساومة السائق على الأجرة التي طلبها منه انشغل سلام بالتدقيق في ملامح السائق العجوز بقلق تبعه انشرح.. آه، يبدو عليه انه رجل طيب.
دارت إطارات السيارة لتقطع سكون الشارع المخيف ولتنقل سلام إلى مستوى آخر من القلق، حول بصره نحو السائق العجوز مرة أخرى ثم أضاف قائلا في سره.. ولكن من يدري؛ على المرء أن لا يطمئن حتى يصبح وسط ذلك الفندق العتيق.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى