اخر الأخباراوراق المراقب

سياسة إرهاب الرقابة العباسية على الإمام الكاظم “ع”

من الضروري التنويه بأن الفترة التي تولّى فيها الإمام الكاظم الإمامة تختلف تماماً عن الفترة التي تولّى فيها الإمام الصادق من ناحية الجو السياسي، فبعد أن قضى العباسيون على الأمويين تماماً التفتوا إلى العلويين الذين لولاهم لما وصلوا إلى الحكم بعد أن رفعوا شعار (يا لَثاراتِ الحسين)، فارتكبوا بحقهم أضعاف ما ارتكبه الأمويون من الجرائم وضيّقت السلطة العباسية على الشيعة في زمن الإمام الكاظم وطاردتهم وقتلتهم.

وتدُلُنا رواية الشيخ المفيد على مدى الرقابة الصارمة والشديدة التي مارسها بنو العباس على الإمام حيث يقول: (قال هشام بن سالم ـ وهو أحد أصحاب الإمام ـ: كنا بالمدينة بعد وفاة الإمام جعفر الصادق”ع” فقعدنا في بعض أزقتها، فنحن كذلك إذ رأيت شيخاً يُومئ إليّ بيده، فخفت أن يكون عيناً من عيون أبي جعفر المنصور، وذلك أنه كان له بالمدينة جواسيس على من يجتمع إليه الناس بعد الصادق، فيؤخذ فتضرب عنقه).

كانت تلك الأساليب القمعية والوحشية وغيرها من الأساليب هي محاولات للحد من انتشار الفكر الشيعي، وإنهاء دور أئمة أهل البيت في حياة الأمة، وقد عانى كل أئمة أهل البيت من هذه المحاولات الدنيئة التي كان هدفها إحداث قطيعة بين الشيعة والتواصل مع أئمتهم، وكان الإمام الكاظم يحرص أشد الحرص على حياة أصحابه في ذلك الجو القمعي، ويأمرهم بكتمان الاتصال به عن الناس، حيث يروي المفيد أيضاً في نفس الكتاب والصفحة أنه: (ذات مرة جاء أحدهم يسأل الإمام الكاظم كما كان يسأل أباه، قال له الإمام: سَلْ تُخبرْ ولا تُذعْ فإنْ أذعْتَ فهو الذبح).

وهذه الرواية لا تحتاج إلى توضيح على مدى سياسة الإرهاب العباسي التي مُورست ضد الشيعة، فكان الإمام يختار لهم أوقاتاً معيّنة للاتصال به بعيداً عن أنظار السلطة وجواسيسها كما يروي الكليني في الكافي حيث يقول: (سأل أحدهم الإمام موسى بن جعفر الكاظم عن مسألة فقال: إذا هدأت الرِِّجْلُ وانقطع الطريق فأقبل).

المخاطر والصعوبات والتحدي

ورغم كل هذه الأساليب القمعية التي مارسها العباسيون فإن الإمام الكاظم قام بدوره العظيم في قيادة الأمة وتحمل أعباء الإمامة وواصل السير على نهج أبيه في مسيرته العلمية، حيث رجع إليه أصحاب أبيه في أخذ معالم دينهم منه فكانوا يجتمعون عنده ويستمعون إلى علومه ودروسه ويدونونها في سرية تامة، ويروي المجلسي طريقة اجتماع الشيعة بإمامهم الكاظم والتزود منه في ذلك الجو الرهيب فيقول: (كان جماعة من خاصة أبي الحسن موسى الكاظم من أهل البيت وشيعته يحضرون ومعهم في أكمامهم ألواح أبنوس لطاف، وأميال فإذا نطق أبو الحسن بكلمة وأفتى في نازلة أثبت القوم ما سمعوا في ذلك).

ونلاحظ إضافة إلى المخاطر التي عرّضوا أنفسهم لها بذلك الاجتماع المصاعب التي واجهوها في تدوين حديث الإمام، فالألواح التي يضعونها في أكمامهم من الأبنوس الأسود لا تكفي لكل ما يقوله الإمام، كما أن كمية الأميال ـ وهي شبيهة بالطباشير ـ والتي يجلبونها معهم لا تسد حاجتهم في كتابة كل ما يقوله (ع)، ولعلهم يتناوبون في الكتابة ثم تعرض هذه الألواح على الجميع ليقرأوا كل ما قاله الإمام.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى