اخر الأخبارثقافية

 “كانت هناك قرية” قصص عن التحولات الكبرى في المجتمع العراقي

المراقب العراقي /المحرر الثقافي …

يرى الناقد ماجد القيسي أن مجموعة “كانت هناك قرية” القصصية للكاتب جبار القريشي هي غوصٌ عميق في مختبر التحولات الكبرى التي عصفت بالإنسان العراقي في قرية لم تعُدْ تقرأ نفسها في جغرافيا المكان، بل في جراح الزمان.

وقال القيسي في قراءة نقدية:”حين تُمسِكُ بمجموعة “كانت هناك قرية” للقاص جبار القريشي، فإنك لا تمسك بمجرد كتاب، بل تمسك بمرآة مكسورة تعكس تشظي عالم بأكمله، هذه المجموعة ليست نزهة في ريفٍ مثالي، بل هي غوصٌ عميق في مختبر التحولات الكبرى التي عصفت بالإنسان العراقي في قرية لم تعد تقرأ نفسها في جغرافيا المكان، بل في جراح الزمان. يخرج القريشي هنا من عباءة القصة الريفية التقليدية التي حصرت الصراع في ثنائية الفلاح والإقطاعي، ليرتحل بنا إلى منطقة أكثر إيلاماً: منطقة تآكل الهوية الفردية تحت وطأة تأريخٍ لم يكتبه أصحاب الأرض، بل كتبته صراعاتٌ بعيدة عن حقولهم “.

وأضاف :” تستوقفك في هذه النصوص نبرة واقعية قاسية، لا تُزيِّفُ وعياً ولا تبحث عن بطولات وهمية. فالقروي هنا ليس ذلك الكائن الرعوي البريء الذي اعتدنا عليه في بعض الأدب الريفي الساذج، بل هو إنسان مأزوم، تحمله الذاكرة ولا تحمله الأرض، تنهكه حروبٌ جاءته كزوار قسريين، ويفتته حنينٌ إلى زمنٍ لم يعد يشبه الحاضر إلا في صورته الشبحيّة. يأتي أسلوب القريشي حاداً ومقتضباً، مجرداً من الزخارف، كأن كل جملة هي ضربة فأس في تربة متصلبة. هناك انقطاعاتٌ متعمدة في النسيج السردي، تقلد تقطع أنفاس الشخصيات وتقلب ذاكرتها، حيث تتداخل صورة صديق سقط في الجبهة مع تفاصيل حرث الأرض، وتصرخ قذيفة عابرة في خضم صمت الغروب “.  

وتابع : بالرغم من هذه الرؤية النافذة، قد يسأل سائل: هل استطاع القريشي الفكاك الكامل من فخ النوستالجيا الرومانسية؟ قد تلوح في بعض الثنايا ومضات من صورة “الفردوس المفقود”، لكن الكاتب سرعان ما يحطم هذه الصورة بتفاصيل فنية ذكية. فالحوارات عنده ليست مجرد تبادل كلام، بل هي مسرح للصراع الخفي، للرغبات المكبوتة، وللمسكوت عنه المجتمعي. لغة الجسد هنا تتكلم بصوت أعلى من الكلمات: نظرة عين خائفة، ويد متصلبة من العمل، وصمت ثقيل يعلو على ضجيج الحياة اليومية. إنه يصوّر الانهيار من خلال التفاصيل الصغيرة: غبار يستقر على نافذة بيت مهجور، نبتة برية تخترق عتبة دارٍ لا ساكن لها”.

وأوضح أن” القوة العظمى لهذا العمل توضح في تصويره الدقيق “لحظة العبور” الحاسمة، تلك اللحظة التي يدرك فيها الإنسان أن جذوره لم تعد تمتص من التربة نفسها، أن العالم الذي بناه بأحلامه وتعرق جبينه يتداعى من تحت قدميه. لا يتحدث القريشي عن هذا الانهيار بخطابيات عامة، بل يجعلك تشعر به من خلال برودة طين الحائط، ومن خلال فراغ الجراب الذي كان يحمل بذور القمح، ومن خلال صوت الراديو البعيد الذي يذيع أخباراً عن عالمٍ لا يعنيه. يضعنا الكاتب، ببراعة، أمام سؤال وجودي وجماعي: ماذا يبقى من الإنسان عندما يُقتلع من سياقه، عندما تصبح قيمه البسيطة عملة غير متداولة في سوق العالم الجديد؟ “.

وواصل:” وإذا قارنّا تجربته مع جيله من الكتاب الذين انساقوا وراء التجريب الشكلي البحت، نجد أن القريشي بقي وفياً لجوهر التجربة الإنسانية العميقة. لم يسعَ إلى تعقيد اللغة لذاتها، بل جعل التعقيد ينبع من تعقيد الوضع الإنساني الذي يصوره. فلسفته لا تُلقى من برج عاجي، بل تنبت من واقع الشخصيات وصراعها اليومي من أجل البقاء بكرامتها. لغته، لذلك، بسيطة في تركيبها لكنها عميقة في دلالتها، واضحة لكنها تحمل ظلالاً من معانٍ متراكمة وأحزان مطوية”.

وأكمل :” من خلال هذه العدسة النقدية الموسعة، يمكننا أن نقرأ القريشي ليس فقط كقاص، بل كأنثروبولوجي يسجل آخر أنفاس مجتمع آيل للزوال عبر نظريات ما بعد الاستعمار، نرى قريةً لا تقاوم السلطة المحلية فحسب، بل تقاوم إملاءات حداثة جائرة جاءت كاستعمار جديد  ومن خلال أنثروبولوجيا الجسد، تصبح التشققات في أيادي شخصياته شواهد على تأريخ من الكدح والحرمان، وعلامات على انقسام الهوية، إنه يوثق، بسرديته القاسية والموجعة، تحول الريف العراقي من فضاء للإنتاج والحياة إلى فضاء للذاكرة والافتقاد، من جغرافيا ملموسة إلى حالة نفسية ملازمة “.

وختم بالقول :إنْ “كانت هناك قرية” هي أكثر من مجموعة قصصية؛ إنها محاكمة صامتة لزمننا الضائع، ونحيب مهذب على براءة لم نعد نستحقها. القريشي لا يكتب عن القرية لأنها جميلة فحسب، بل لأنه يريد أن يُنقذ شيئاً من حقيقتها من غول النسيان”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى