الاتفاق السوري الإسرائيلي.. مبدأ التطبيع “الوظيفي”

بقلم: ليلى نقولا..
تنطلق المقاربة الوظيفية في العلاقات الدولية من فكرة، أنّ “المدخل الوظيفي” قد يدفع الدول إلى تجاوز حالة العداء السابقة والانطلاق إلى عملية سلام وتكامل لكن بشكل متدرّج. طوّر دافيد ميتراني هذه النظرية في كتابه الذي أصدره عام 1944 “نظام سلام للعمل”، فاعتبر أنّ الوظيفية تهدف إلى كسر الرابط التقليدي بين السلطة والوحدة الترابية لدولة معيّنة، وذلك عبر ربط السلطة بنشاط معيّن أو “وظيفة ما”، بهدف تحسين وضع المجتمعات وتطويرها.
ترتكز الوظيفية -كما يراها ميتراني- على مجموعة من الأسس، منها ما يلي:
1- تركّز الوظيفية على التكامل الدولي وانخراط الدول في اعتماد متبادل مادي كأساس لتحقيق السلام.
2- بدل التركيز على الصراع الذي تسبّبه الدول والسعي لمصالحها القومية، يجب خلق شبكة من التفاعلات تقوم بها منظّمات وظيفية.
3- لا بدّ أن تنطلق العملية من السياسة الدنيا low politics لذا يجب التشديد على النجاح من خلال التعاون في الأمور التقنية.
4- الشكل يتبع الوظيفة أي أنّ مجموع الوظائف التي يؤدّيها الأفراد والمنظّمات تولّد مجموعة من التفاعلات تحدّد شكل التنظيم.
5- يؤكّد ميتراني مبدأ التدرّج والانتشار الذي يعني به أنّ نجاح التعاون في حقل ما سيؤدّي إلى خلق تعاون في مجالات أخرى نتيجة الحاجة.
تطبيقاً لهذه النظرية على ما تمّ إعلانه مؤخّراً عن “اتفاق باريس” بين سوريا و”إسرائيل”، نجد أنّ الأمريكيين -واقعياً- قد رعوا اتفاق تطبيع “وظيفي”. ينطلق هذا التطبيع من فكرة: ابدأوا بالاقتصاد والتجارة والتعاون الاستخباري وهي قضايا منخفضة الحساسية، وبمرور الوقت تصبح العلاقات بين سوريا و”إسرائيل” طبيعية من دون “شكليّات سيادية” ومن دون المطالبات القديمة بـ”الأرض مقابل السلام”.
وعليه، يكون اتفاق باريس هو هندسة تطبيعيّة مبتكرة تجعل “إسرائيل” جزءاً عضوياً من البنية الأمنية والاقتصادية للجنوب السوري، من دون أن تضطرّ لدفع أيّ ثمن سياسي أو أن تنسحب من الأرض السورية.
مع العلم أنّ التطبيع التقليدي يكون عبر اتفاقيات متعدّدة في الاقتصاد والسياحة وغيرها، ويمكن للدول أن تتراجع عنها لاحقاً في حال لم تجد استفادة من التطبيع. أما هذا النمط (غرف عمليات مشتركة، مناطق صناعية)، فيخلق نوعاً من التبعيّة الهيكليّة من الطرف الأضعف للأطراف الأقوى بشكل يجد من الصعب لاحقاً الفكاك من تلك الترتيبات.
ومن دون شكّ، الأطراف الأقوى في غرفة العمليات المشتركة هما “إسرائيل” والولايات المتحدة، وبالتالي هما مَن ستتحكّمان في العمليات الاقتصادية مستقبلاً في الجنوب السوري.
وعليه، تسعى “إسرائيل”، مستفيدةً من تفوّقها العسكري، إلى تقييد الأطراف بآليات اتصال وهياكل تنسيقيّة من دون تقديم أيّ تنازلات جوهرية. ورغم أنّ الاتفاق المطروح يتضمّن بنوداً حول تبادل المعلومات الاستخباراتية، وخفض التصعيد، وتنشيط قنوات دبلوماسية مع احتمالية فتح التجارة بإشراف أمريكي، إلا أنّ الغموض لا يزال يكتنف آليات التنفيذ.
وما يعزّز الشكوك حول جدوى هذا الاتفاق للجانب السوري هو خلوّه من أيّ التزام إسرائيلي بوقف الضربات الجوية أو العودة إلى تفاهمات سابقة. مع العلم أنّ الإشراف الأمريكي على الاتفاق لا يعطي مجالاً للتفاؤل، لأنه لن ينجح في كبح العدوانية الإسرائيلية ولنا في الاتفاق الذي رعته الولايات المتحدة الأمريكية في لبنان عبرة.



