العالم على حافة المصادرة الكبرى.. حين تتحوّل القوة إلى قانون

بقلم/ د. ميساء المصري..
لم يعد ما يجري في العالم قابلًا للفهم بوصفه سلسلة أزمات منفصلة، ولا يمكن اختزاله في خلافات دبلوماسية أو مناورات سياسية عابرة. نحن أمام لحظة كاشفة، لحظة انكشاف النظام الدولي ذاته، حيث تُنزع الأقنعة دفعة واحدة، ويُعاد تعريف مفاهيم السيادة والشرعية والقانون لا بوصفها قواعد جامعة، بل كإمتيازات تمنحها القوة لمن تشاء وتسحبها ممن تشاء. في قلب هذه اللحظة يقف النفط، لا كسلعة، بل كسلاح، وتقف الدولة، لا ككيان ذي سيادة، بل كغنيمة محتملة.
إعلان دونالد ترامب نقل عشرات ملايين البراميل من النفط الفنزويلي إلى الولايات المتحدة، ووضع عائداتها تحت تصرفه المباشر، ليس تفصيلًا إجرائيًا ولا حتى خرقًا قانونيًا تقليديًا، بل إعلان فظّ عن انتقال العالم من منطق العقوبات إلى منطق المصادرة. هنا لا نتحدث عن ضغط سياسي لتغيير سلوك، بل عن وضع اليد على الموارد، عن نزع القلب الاقتصادي لدولة بكاملها وإدارته كملف داخلي أمريكي. بهذا المعنى، لم تعد فنزويلا دولة خارجة عن الطاعة، بل تحوّلت إلى نموذج لما ينتظر كل من يصرّ على الإحتفاظ بإستقلاله في عالم يُعاد تشكيله بالقوة.
النفط الفنزويلي، بثقله الهائل واحتياطاته الأسطورية، ليس مجرد إضافة للأسواق، بل هو مفتاح لإعادة رسم خريطة الطاقة العالمية. من يسيطر عليه يملك القدرة على إغراق الأسواق، كسر منظمة أوبك، خنق الاقتصادات الريعية، ودفع دول كاملة إلى العجز والإقتراض وتسييل صناديقها السيادية. هذا السيناريو لا يضرّ أوروبا وأمريكا، بل يخدمهما، ويضرب في الصميم دول الخليج وروسيا، ويفتح الباب أمام زلازل اجتماعية وسياسية تتجاوز الجغرافيا العربية.
وهنا يصبح النفط أداة لإعادة هندسة الداخل الاجتماعي للدول، لا مجرد ورقة في لعبة الأسواق.
لكن الصورة لا تكتمل من دون النظر إلى البعد الجيوسياسي الأشمل. غضب ترامب من استمرار استيراد النفط الفنزويلي لا ينفصل عن هاجسه الأكبر، الصين. بكين ترتوي من مصدرين أساسيين للطاقة خارج السيطرة الأمريكية المباشرة، طهران وكاراكاس. وأي ضربة لإيران، سواء عبر حرب مباشرة أو إغلاق مضيق هرمز، لا تكتمل فعاليتها من دون خنق البديل الفنزويلي. هكذا تتقاطع خطط الهجوم على إيران مع مصادرة النفط الفنزويلي في استراتيجية واحدة هدفها كسر العمود الفقري الطاقوي للصين، وتعطيل مجموعة بريكس بوصفها نواة محتملة لنظام عالمي مضاد.
في هذا السياق، لم يكن الموقف الصيني من قضية نيكولاس مادورو دفاعًا عن شخص أو نظام، بل صرخة تحذير من كسر الخط الأحمر الأخير. حين تستدعي بكين اتفاقيات وستفاليا، فهي لا تمارس نوستالجيا تاريخية، بل تقول بوضوح إن مبدأ سيادة الدول يتهاوى، وإن العالم ينزلق نحو شريعة الغاب. توقيف رئيس دولة، أو التعامل معه كزعيم عصابة، ليس إهانة لفنزويلا وحدها، بل إعلان بأن أي دولة يمكن نزع شرعيتها متى امتلكت موارد مرغوبة ورفضت الانصياع.
غير أن الأخطر من كل ذلك هو الانهيار الأخلاقي الذي مهّد لهذا المسار. السقف الذي كان يكبح القوة، ولو شكليًا، سقط في غزة. السماح بالإبادة الجماعية على مرأى العالم، بلا مساءلة، حرّر القوة من أي قيد، وفتح الباب أمام تعميم النموذج. من غزة إلى كاراكاس، ومن طهران إلى أي عاصمة متمرّدة، الرسالة واحدة (القانون يُطبّق على الضعفاء فقط.)
وفي سياق واحد، إعلان مجلس الدفاع الإيراني حق العمل الاستباقي ليس تفصيلًا تقنيًا في العقيدة العسكرية، بل مؤشر على إدراك عميق لتغيّر قواعد اللعبة. إيران تقول بوضوح إنها لم تعد تنتظر الضربة، وإن معيار الدفاع المشروع لم يعد رد الفعل، بل منع الفعل. هذا التحول يعكس انتقال المنطقة كلها من زمن الصبر الاستراتيجي إلى زمن المبادرة القسرية، حيث يصبح منع التفكيك أولوية وجودية. فمشروع تفكيك إيران، وتحويلها إلى دولة فاشلة أو كيانات متناحرة، ليس سرًا إسرائيليًا، بل خيارًا استراتيجيًا مطروحًا على الطاولة، حتى وإن كانت كلفته حربًا مؤلمة للجميع.
ما يجري إذًا ليس سلسلة أزمات، بل لحظة فاصلة. إما أن يُترك العالم لمنطق المصادرة، حيث تُدار الدول كحقول نفط، وتُصنّف الشعوب وفق درجة الطاعة، أو يُعاد تثبيت القاعدة التي تتآكل بسرعة، القانون فوق القوة، والسيادة ليست جائزة حرب. وعلى هذا المفترق، لا يُختبر مصير فنزويلا أو إيران وحدهما، بل يُختبر مصير العالم كله بعد تلويح ترمب بضرب دول عدة مثل غرينلاند وكولومبيا وكوبا وغيرها، والسؤال الآن لم يعد من ينتصر، بل أي عالم سينجو، إن نجا أصلًا.



