الضرائب ..نظام لتحقيق العدالة في الاسلام

في مفهوم الدولة الحديثة تأتي أهمية الضرائب من كونها أداة أو وسيلة اقتصادية مهمة هدفها تقليص الفجوة الطبقية بين أبناء الشعب أو الأمة الواحدة، ومفهوم الضريبة تمّ العمل به منذ نشوء الحكومة الأولى للمسلمين، بقيادة الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله، ويتم تنظيم الضرائب وفق أحكام شرعية وقانونية وأخلاقية بلغت ذروتها في حكومتي رسول (ص)، والإمام علي عليه السلام.
ويمكن أن يتخذ الحكام المسلمون من هاتين الحكومتين مثالا ونموذجا لكيفية التعاطي مع أموال الشعب، وكيف تُدار وكيف تُحمى، وكيف تُصرَف، باعتبارها أمانة الله عند الحاكم وعند الحكومات، لاسيما الدوائر والجهات التي تودَع عندها هذه الأموال.
ففي عهد الإمام علي عليه السلام كانت أموال الصدقات (الضرائب الإسلامية)، والخمس، تُعَد من الأمانات التي يجب أن لا تمسها يد المسؤول بسوء، وبالإضافة على شرط الحفاظ عليها، هنالك شرط أهم يتمثل بكيفية صرْفها، حيث كان الإمام علي عليه السلام (أضعف إنسان تجاه هذه الأموال)، وعلى الرغم من أنه المسؤول الأول عنها وعن صرفها، لكنه كان يخشى أشد الخشية من المساس بها بطريقة غير صحيحة، كونها ليست مُلْكا له، بل هي أموال الناس، فهي أرصدة مالية مخصصة لدعم المسلمين وإدارة شؤونهم وتحسين حياتهم.
ونتيجة للتعامل غير السليم مع هذه الأرصدة المالية من قبل الحاكم وحكومته في بلاد المسلمين، ساءت الأوضاع الاقتصادية للمسلمين، وصار الفقر شبحا يطارد الجميع، وفي نفس الوقت نشأت طبقة تمثل النسبة الأقل بين المسلمين تتمتع بالثراء الفاحش، وتكاد تكون معفية من الضرائب التي صار يتحمل ثقلا أصحاب الدخل المحدود، مما أدى إلى ظاهرة التفاوت الطبقي، وهي ظاهرة تكاد تشكل السبب الأول للفقر.
لذلك لو التزم الحكام المسلمون بحفظ الأمانة وتعاملوا مع هذه الأموال كما تعامل معها أمير المؤمنين عليه السلام، لما عانى الفقراء عبء الفقر، ولما تهالكت اقتصادات الدول الإسلامية كما نلاحظ ذلك في معظمها، فقد وضع الإمام علي عليه صلوات الله عليه وقبله رسول الله صلى الله عليه وآله الأسس السليمة للتعاطي مع الضرائب، وكيفية حمايتها وطرائق صرفها، بحيث كانت أمانة لا يمكن المساس بها، ولا يتم هدرها والتصرف بها ما يفعل اليوم بعض الحكام والحكومات، فيكون تعاملهم فاشلا، أما عن قصد أو من دونه، لكن النتيجة هي الهدر وسوء التصرّف فضلا عن الخضوع للنفس الأمّارة.
ولو أن الحكام المسلمين احتاطوا كما احتاط الإمام علي عليه السلام في تعاملهم مع تلك الأموال، لما رأينا الفقر يصول ويجول بين المسلمين، ولما عانى المسلمون من ظاهرة التفاوت الطبقي إلى الحد الذي أثار الأحقاد والحسد والنقمة بين المسلين.
ولو أن الحكومات الإسلامية تعاملت مع أموال (الضريبة الإسلامية) كما تعامل معها أمير المؤمنين عليه السلام، لانتفت الحاجة كي يستدين الشباب كي يتزوجوا، كما يجري اليوم في دول إسلامية، حيث لا تتوفر لديهم تكاليف الزواج، وبعد تأتي سلسلة المشاكل الاجتماعية والنفسية العميقة التي يعاني منها الشباب (بنون وبنات).
وكذا الحال بالنسبة للمرضى الذين يعجزون عن مداواة أنفسهم، فلو كانت الأمانة محفوظة، وأيدي الحكام وحكوماتهم والمقربون منهم لا تمس أموال المسلمين المتحصَّلة من الضرائب، لما وجدنا مريضا في هذه البلاد، لكن التعامل غير الأمين مع تلك الأموال، ومنافاة النموذج الصحيح للإمام علي في قضية الاحتياط والأوامر والقوانين المشددة التي تمنع التجاوز على تلك الأموال، جعلت منها مباحة، في حين لم يكن هناك أي تساهل مع من تقترب يده من أموال الناس وتحاول أن تستبيحها، حتى نسب الفقر التي يعاني منها المسلمون اليوم لم تكن موجودة.



