الهجرة العكسية للكفاءات في الكيان الإسرائيلي.. بين مزاعم المعارضة وحقائق الواقع

بقلم: محمد جرادات..
نجحت الحركة الصهيونية منذ قرن مضى، في تسويق مفهوم أرض الميعاد، ما جعل الدول البروتستانتية كأميركا وبريطانيا، تدمج البعد الديني والاستعماري في سيطرتها الاستئصالية على أرض فلسطين باعتبارها أرض الميعاد اليهودي تاريخياً ودينياً، وقد انبثق عن هذا النجاح الذي تمّ برعاية غربية كاملة وتنفيذ بريطاني مباشر، وضع قواعد أساسية لمشروع “دولة إسرائيل” على أطلال الشعب الفلسطيني والشعوب العربية المجاورة، وكانت أبرز هذه القواعد؛ الهجرة اليهودية لفلسطين والاستيطان الصهيوني في أرضها.
وقد اعتبر قادة تأسيس المشروع الصهيوني، خاصة ملهم نتنياهو الزعيم اليميني جابوتنسكي، أنّ كلّ من يدخل أرض الميعاد ويخرج منها خائن للدين اليهودي، على الرغم من أنه توفي قبل تأسيس الكيان، إلا أنه عاصر موجات الهجرة اليهودية الكبرى حتى سنة 1940، وقد دار الزمان دورته فإذا بعدد المغادرين لأرض فلسطين من اليهود يفوق عدد القادمين. والجديد في الموضوع أنّ نسبة مهمة من المغادرين بعدم نيّة العودة هم من أصحاب الأدمغة والكفاءات، ما دفع نتنياهو إلى محاولة التعتيم على القضية بإثارته لقضية هجرة المسيحيين من بيت لحم وتحميل السلطة الفلسطينية مسؤولية ذلك.
وضع زعيم المعارضة الإسرائيلي يائير لبيد النقاط على الحروف، وهو رجل ليبرالي علماني يكره المتديّنين، يقدّم معلومات صادمة مدعّمة بالأدلة حول هذه الأزمة، ففي خلال السنوات الثلاث الأخيرة، غادر نحو 200 ألف مستوطن ما يُعرف بـ “العمود الفقري لإسرائيل” نتيجة فقدان الأمل وتدهور الأوضاع، في موجة هجرة غير مسبوقة.
وسبق لمركز الأبحاث والمعلومات في الكنيست الإسرائيلي، أن أصدر تقريراً أشار فيه إلى أنّ معظم المغادرين من الشباب المتعلّمين وأعمارهم بين 20 و39 عاماً، وبعضهم مهاجرون إلى الكيان، غادروا بعد هجرتهم بفترة وجيزة، فقد غادر ما يقارب 36 ألف شخص سنوياً خلال الفترة 2009-2021، واستدرك التقرير بالقول “لكن بدءاً من عام 2022 سُجّلت قفزة حادّة، إذ غادر 55 ألف إسرائيلي في ذلك العام (بزيادة 46 بالمئة عن العام السابق)، وفي 2023 غادر 82 ألفاً و700، بزيادة أخرى 50 بالمئة، وفي أكتوبر 2023 سجّلت قفزة حادّة أخرى في مغادرة البلاد”.
وقد تشكّلت داخل الجامعات الإسرائيلية ومراكز الأبحاث وقطاعات التكنولوجيا المتقدّمة؛ أزمة صامتة، عنوانها الأبرز: هجرة الأدمغة الإسرائيلية، إذ للمرّة الأولى لا تتحدّث “إسرائيل” عن هجرة هامشية أو مؤقتة، بل عن نزيف للكفاءات الأكاديمية والعلمية، يترافق مع اعتراف رسمي بوجود عجز فعلي في أعداد الباحثين والأكاديميين، وتراجع في القدرة على استقطاب العائدين من الخارج، وتربط المعطيات بين هجرة الكفاءات وبين الثورة اليمينية على القضاء أواخر 2022، والحرب على غزة منذ تشرين الأول 2023، وبين تآكل ميزانيات التعليم العالي وتزايد الهجوم السياسي على الأوساط الأكاديمية واتساع المقاطعة الدولية، وجد آلاف الباحثين والعلماء أنفسهم أمام خيار واحد، المغادرة من دون ضمانات للعودة، بحسب أبحاث استقصائية للصفحة الاقتصادية لصحيفة “ذي ماركر” وصحف “يديعوت أحرونوت” و”معاريف” و”كالكاليست” وهيئة البثّ الإذاعي والتلفزيوني الإسرائيلي والقناة 12 الإسرائيلية.
اعتبر زعماء الليكود والأحزاب الإسرائيلية المتطرّفة، أنّ المعطيات الإحصائية حول الهجرة العكسية بمثابة صبّ الزيت على نار الصراعات السياسية في “إسرائيل”، خاصة أنّ نسبة المهاجرين من حملة شهادة الدكتوراه في تخصصات الرياضيات والكيمياء والفيزياء، تراوحت بين ما نسبته بين 14-25%، وقد أسّس هؤلاء لأنفسهم إقامات دائمة خارج الكيان الإسرائيلي، وقد اختصرت دراسة صادرة عن جامعة “تل أبيب” مجمل معطيات هذه القضية، بأنّ ميزان الهجرة العكسية للخارج زاد بنسبة 25% في 2023، و56% في 2024، ما يكشف عن اختلال حادّ في التوازن.
من جهة موازية اعتبر رؤساء المعاهد البحثية في الكيان، أنّ هذا التطوّر بمثابة جرس إنذار وعلامة تحذيرية خطيرة لصنّاع القرار في “الدولة”، لأنه عندما يختار ربع خريجي الدكتوراه في الرياضيات وعلوم الحاسوب بناء مستقبلهم في الخارج، تفقد “إسرائيل” تدريجياً ميزتها النسبية، وما يفاقم هذه الأزمة ويجعلها خطراً استراتيجياً بالفعل، ما يلي:
أولاً: معطيات المكتب المركزي الإسرائيلي للإحصاء، والتي كشفت أنّ عام 2024 شهد عجزاً في أعداد الأكاديميين، حيث فاق عدد الحاصلين على درجة البكالوريوس أو أعلى من المهاجرين إلى الخارج عددَ العائدين، مع العلم أنّ المهاجرين يتميّزون بأنهم من ذوي الكفاءات العالية، وهم من جيل الشباب المتعلّمين.
ثانياً: وعلى صعيد التوزيع المؤسساتي، فإنّ 23% من الباحثين والأكاديميين المهاجرين خارج “إسرائيل” من معهد وايزمان والذي تعرّض لتدمير كلّي خلال القصف الإيراني لـ “تل أبيب” إضافة إلى أربع جامعات إسرائيلية، و18.2% من معهد التخنيون، و15% من جامعة “تل أبيب”، و10% من جامعة “أريئيل”، و7% من جامعة “بار إيلان”.
ثالثاً: وعلى صعيد طلاب مرحلة الماجستير المقيمين في الخارج، فقد بلغت نسبة كليات الطب 3.8%، والموسيقى 21%، والحاسوب 16.7%، والرياضيات 13.6%، و15% من باحثي العلاقات الدولية، و13.1% من الفيزياء، و12% في الكيمياء. ومن بين حاملي شهادات البكالوريوس، يعيش 25.8% من تخصص الموسيقى في الخارج، و20% من أقسام اللغة الإنكليزية، ومثلهم من تخصص العلاقات الدولية.
رابعاً: هناك نسبة لا بأس بها من الأكاديميين المغادرين يُجرون أبحاث مرحلة ما بعد الدكتوراه، وهي الشهادة الجامعية الثالثة، في الخارج، وارتأوا الاستقرار في الخارج بشكل دائم.
خامساً: كشفت الإحصائيات عن انخفاض في أعداد العائدين بعد إقامة طويلة في الخارج، ما يكشف عن اتجاه تنازلي في عدد العائدين، مقابل اتجاه تصاعدي في عدد الذين ينتقلون إلى الخارج ويقيمون فيه لفترات طويلة، ويمثّل ذلك زيادة قدرها 9.3% خلال عقد من الزمن.
سادساً: أجرت وزارة التعليم الإسرائيلية دراسة للتوزيع الجغرافي للمناطق التي ينحدر منها الأكاديميون المقيمون حالياً في الخارج، وتبيّن لها أنّ 11% منهم من سكان المناطق الراقية، خاصة “رامات هشارون وتل أبيب وهرتسليا وعومر وإيفن يهودا وزخرون يعقوب ورعنانا وكفار سابا وكوخاف يائير”.
سابعاً: تآكل ميزانيات الجامعات الإسرائيلية ومؤسسات التعليم العالي، وتضاؤل الموارد المخصصة لإجراء البحوث وإنشاء بنى تحتية بحثية متقدّمة، ويفضّل الباحثون الانتقال أو البقاء في الخارج، حيث تُعرض عليهم رواتب وميزانيات وبنى تحتية بحثية أكبر، في وقت انخفض فيه حجم المنح المقدّمة للجامعات الإسرائيلية من مؤسسة البحوث الأوروبية، وهي المموّل الرئيسي للنشاط البحثي في الكيان، بسبب تصاعد المقاطعة الأكاديمية، ما يُعدّ عاملاً آخر في هجرة الباحثين والأكاديميين الإسرائيليين.
ثامناً: غادر 875 طبيباً خلال عام ونصف العام فقط، ويُعدّ فقدان المئات منهم في غضون سنوات قليلة رقماً مقلقاً للنظام الصحي، وكذلك غادر خلال هذه الفترة أكثر من 19 ألف حاصل على درجة البكالوريوس فأعلى في مجال التكنولوجيا.
نجحت الأكاديمية الإسرائيلية عبر عقود مضت، في استثمار موارد كثيرة في تأهيل العقول اللامعة، ولكنّ سياسات الحروب المفتوحة الراهنة لـ “دولة” الكيان تفقدهم في لحظة الحقيقة، هذه إصابة مباشرة لمحرّكات النمو للاقتصاد الإسرائيلي والأمن والهايتك ومتانة الكيان، بحسب تعبير رؤساء الجامعات الذين جزموا أنه من دون استثمار فوري في بنى تحتية للبحث وخلق يقين للباحثين الشباب، فإنّ “إسرائيل” ستواصل تزويد العالم بأفضل العلماء بعيداً عن مستقبلهم فيها.



