تفعيل الجباية.. هل يزيد ساعات التجهيز الكهربائي في أوقات الذروة؟

تشديد حكومي على استحصال الأموال
المراقب العراقي/ أحمد سعدون..
في ظل تعاقب الحكومات المتكررة على العراق، مازالت أزمة الكهرباء من أكثر القضايا تأثيراً على حياة المواطنين، إذ لم تعد مجرد خدمة أساسية متعثرة، بل تحولت إلى ملف سيادي واقتصادي واجتماعي معقد، تتداخل فيه عوامل فنية وإدارية ومالية، إلى جانب تحديات التجاوزات وضعف الجباية وارتفاع نسب الضائعات، وفي هذا الإطار، تؤكد الحكومة ووزارة الكهرباء، ضمن توجيهات رسمية متكررة، اهتمامها بقطاعي التوزيع والجباية، بوصفهما المدخل الرئيس لمعالجة الخلل المزمن في منظومة الطاقة الكهربائية.
وتشير التوجيهات الحكومية الأخيرة إلى ضرورة ترصين الإجراءات التي تسهم في الحد من ضياع الطاقة الكهربائية، وتحسين كفاءة التوزيع، بما يضمن إيصال ساعات تجهيز أعلى إلى الأحياء السكنية، وتشمل هذه الإجراءات إزالة التجاوزات عن الشبكة الوطنية، والمضي بخطط نصب واستبدال مقاييس استهلاك الطاقة، ومحاسبة المتجاوزين على واردات الجباية وشبكات التوزيع، فضلًا عن تقييم ما تحقق ضمن خطة خفض الضائعات الكهربائية، التي تستهدف الوصول إلى نسبة خفض تبلغ 40% كمرحلة أولى خلال الربع الأخير من العام الحالي.
غير أن هذه التوجيهات والخطط، على الرغم من أهميتها، تصطدم بواقع ميداني صعب، فخلال فترات سابقة، ومع تحسن نسبي في الإنتاج، تمكنت وزارة الكهرباء من توفير ما يقارب 20 ساعة تجهيز يومياً في بعض المحافظات، الأمر الذي أعاد شيئاً من الثقة بإمكانية تحقيق استقرار نسبي في المنظومة، لكن مع دخول البلاد ذروة فصل الشتاء، وما يرافقها من زيادة في الأحمال، انخفضت ساعات التجهيز إلى نحو أقل من 12 ساعة في العديد من المناطق، ما أعاد إلى الواجهة تساؤلات حقيقية حول قدرة الوزارة على الاستمرار في تنفيذ خططها الإصلاحية ضمن هذا الواقع المتقلب.
ويجمع مختصون على أن نجاح أي إجراءات لخفض الضائعات وتحسين الجباية يرتبط ارتباطًا مباشراً باستقرار ساعات التجهيز، فالمواطن، الذي يعاني من انقطاعات طويلة، يجد صعوبة في الالتزام بدفع أجور الجباية، فيما تتفاقم ظاهرة التجاوزات على الشبكة كلما ازداد الشعور بعدم العدالة في توزيع الطاقة، ومن هنا، فإن توفير ساعات تجهيز مقبولة لا يعد نتيجة فقط، بل شرطاً أساسياً لإنجاح خطط الجباية وتقليل الهدر.
وفي المقابل، يرى الخبير الاقتصادي د. فالح الزبيدي في حديث لـ”المراقب العراقي”، إن “أزمة الكهرباء في العراق لم تعد أزمة فنية أو موسمية، بل تحولت إلى معضلة اقتصادية وهيكلية متراكمة نتيجة سوء التخطيط، وتضارب الصلاحيات، وضعف الاستثمار طويل الأمد، مبيناً، ان المبالغ الضخمة التي أُنفقت خلال السنوات الماضية لم تترجم إلى طاقة مستقرة بسبب اعتماد الحلول الترقيعية، وغياب الرؤية الاقتصادية التي تربط قطاع الكهرباء بالنمو الصناعي، وجذب الاستثمارات، وتحقيق الاستدامة المالية للدولة”.
وأضاف، أن “معالجة الأزمة تتطلب حزمة حلول متكاملة تبدأ بإصلاح الإدارة الاقتصادية للقطاع، وتفعيل الجباية بعدالة، وتقليل الهدر الفني والتجاري، إلى جانب فتح المجال أمام القطاع الخاص والاستثمار الأجنبي بشراكات شفافة، مع التوسع الجاد في الطاقة المتجددة، مؤكداً أن أي حل خارج هذه المنظومة سيبقي الكهرباء رهينة الأزمات، ويستنزف الموازنة العامة دون تحقيق استقرار حقيقي للمواطن والاقتصاد على حد سواء”.
وشدد الزبيدي على ضرورة “امتلاك الحكومة المرتقبة رؤية مختلفة، تقوم على معالجة الخلل من جذوره، لا الاكتفاء بالحلول المؤقتة، وذلك من خلال تفعيل العدادات الذكية، وتشديد الإجراءات القانونية بحق المتجاوزين، إلى جانب إشراك القطاع الخاص في بعض مفاصل التوزيع والجباية، بما يسهم في رفع الكفاءة وتقليل الضائعات، كما يجب مراجعة شاملة لخطط الإنتاج والنقل، لضمان استدامة الطاقة وعدم تأثرها بالتغيرات الموسمية”.
ومع ذلك، يبقى السؤال الأبرز، ان تفعيل الجباية من خلال التأكيد الحكومي المستمر هل يزيد ساعات التجهيز الكهربائي بشكل دائمي أم واقع الكهرباء سيبقى متردياً؟، الإجابة على هذه السؤال لا تتوقف على الخطط المعلنة فحسب، بل على سرعة التنفيذ، وشفافية الإجراءات، وقدرة الدولة على فرض القانون، وتحقيق توازن عادل بين حقوق المواطن وواجباته، فالكهرباء لم تعد ملفاً خدمياً عادياً، بل اختباراً حقيقياً لنجاح أية حكومة في استعادة ثقة الشارع، وتحويل الوعود إلى واقع ملموس.



