اخر الأخبارثقافية

زاهد الساعدي رسام الأزقة والوجوه كنوع من المقاومة ضد التلاشي والغربة

المراقب العراقي/ المحرر الثقافي…

ترى الناقدة أميرة ناجي أن تجربة الفنان زاهد الساعدي تنسج الضوء بالحنين وتحوّل الظل إلى صوت للحياة فهو يجمع في تجربته بين واقعية العين وصدق الوجدان فهو لا يرسم ما يراه فقط بل ما يشعر به وما يتذكره وما يريد أن يبقيه حياً.

وقالت ناجي في قراءة نقدية خصت بها ” المراقب العراقي” :”في لوحات  الفنان زاهد الساعدي لا يتكلم اللون عن الجمال بقدر ما يستدعي الذاكرة ولا تُرسم الأشياء لتُرى بل لتُستعاد كأن كل مشهد فيها يحمل نبض حياة مضت وبقي أثرها على الجدران وعلى الوجوه وعلى التراب، الفنان لا يقتنص اللحظة العابرة بل يحوّلها إلى زمن مقيم يتنفس في عيون الناس وفي انعكاسات الضوء التي تصير سرداً صامتاً عن الإنسان والمكان.

وأضافت: إن” الساعدي يشتغل على الحافة الدقيقة بين الحلم والواقع بين الحنين واللحظة الراهنة، فلوحاته لا تروي حدثاً بقدر ما تُفصح عن إحساس جمعي بالوجود عن المدن القديمة التي ما زالت تتنفس رغم الغبار وعن البشر الذين يواجهون الزمن بكرامة وصمت ،في أعماله يتحول الضوء إلى رواية والظل إلى ذاكرة والملامح إلى وثيقة حب طويلة للعراق”.

وتابعت “في احد أعماله يقدّم الساعدي زقاقاً بغداديّاً تمرّ فيه امرأة تحمل وعاءً أحمر على رأسها الجدران قديمة متهالكة لكنها ما زالت واقفة كأنها ذاكرة من طين وضوء هنا لا يكون المكان خلفيةً للشخصية بل يصبح كائناً حيّاً يحتضنها ويكملها، الضوء ينحدر من الأعلى بهدوء يلامس الحجارة ويكتب ظلالاً على الجدران وكأن اللوحة كلها تتحول إلى حكاية تُروى بالضوء”.

وأوضحت : أن”الطفولة عند الساعدي ليست ذكرى بل رؤية للحياة ففي إحدى لوحاته يظهر طفل يدفع عربة خشبية بجانب رجل مسن كلاهما يسير في صمت مفعم بالحركة، الطفل رمز للبداية والرجل رمز للذاكرة وبينهما الزمن يمشي على مهل الألوان الترابية والسترة الصفراء تخلقان توازناً بين البراءة والتعب والأمل والحكمة فتغدو اللوحة مشهداً عن دورة الحياة أكثر من كونها لحظة عابرة”.

وواصلت :”تتجلى في أعمال الساعدي قدرة فنية عالية على تحويل التفاصيل اليومية إلى شعر بصري فهو يرسم بفرشاة تعرف طريقها إلى الإحساس قبل الشكل الملمس عنده ليس ملمس السطح بل ملمس الذاكرة، وتدرجات الضوء ليست تقنية بل لغة سردية تهمس بما لا يُقال في اللون الترابي تتخفى روح المدن وفي درجات الرمادي تتكاثف الحكايات القديمة التي لا تزال تبحث عن مستمع”.

وأكمل :”فكرياً يمكن قراءة تجربة الساعدي بوصفها موقفاً جمالياً ضد النسيان فهو لا يرسم الحداثة الصاخبة بل يعود إلى الأزقة والأسواق والوجوه التي شكّلت وجدان المكان في اختيار هذا نوع من المقاومة ضد التلاشي والغربة ومحو الذاكرة إنه يخلّد ما يختفي أمام العيون ليبقيه في وجدان المتلقي ويعيد له قيمته الرمزية والإنسانية”.

وأكمل :”في أعماله التي تستلهم الطبيعة مثل مشاهد النخيل والجداول والواحات يتحول المشهد إلى مساحة صوفية يغمرها السكون ويملأها المعنى، الأشجار ليست نباتات بل أرواح قائمة والماء لا يجري بل يهمس ببطء والسماء تتدرج بين الغيم والتراب لتخلق وحدة حسية بين الأرض والروح هنا تبدو اللوحة أشبه بتأمل طويل في الوجود حيث يتحول اللون إلى صلاة هادئة”.

وختمت بالقول إن” الساعدي يجمع في تجربته بين واقعية العين وصدق الوجدان فهو لا يرسم ما يراه فقط بل ما يشعر به وما يتذكره وما يريد أن يبقيه حياً، لهذا تبدو لوحاته أقرب إلى نصوص بصرية تُقرأ أكثر مما تُشاهد،كل عمل لديه يحمل بصمته الخاصة وحكايته التي لا تتكرر فهو يرسم لكي يتذكر ولكي نرى نحن ما لا نراه عادة في زحام الحياة”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى