اخر الأخباراوراق المراقب

توتر الأعصاب والقوة الغضبية ظاهرة العصر المقلقة

لقد أصبح الضغط العصبي والقوّة الغضبيّة ظاهرتين مقلقتين من أهم ظواهر العصر الحديث، فلا تكاد ترى بيتاً أو أسرةً أو محلةً أو جماعةً إلّا وهي تعاني توتّرا أو صراعا أو عنفا لسانيا أو جوارحيا أو غير ذلك، وذلك كله نتيجة تكاثر التحدّيات، وتراكم المشاكل، وتزايد الهموم والغموم، العامّة والخاصّة بدءاً من مشاكل البيئة والطبيعة: التلوّث، التصحّر، نقص المياه، قلّة الأمطار، مروراً بكثرة الأمراض، واستحداث أمراض جديدة، ووصولاً إلى ازدياد الصراعات الدوليّة والإقليميّة والمحليّة والمناطقيّة والعشائريّة والحزبيّة وغيرها، والذي زاد من وتيرتها وتسارعها تقارب العالم الذي أصبح كالقرية الواحدة، بل كالبيت الواحد، ممّا أنتج تصدير المشاكل والفتن والشبهات والأمراض وغيرها من كلّ مكان إلى كلّ مكان، فأنتج كلّ ذلك ضغوطاً كبيرةً لا تطاق على الأشخاص والعوائل والجماعات والشعب كله، وبذلك رحلت السعادة والهدوء والسكينة ـ ظاهراً ـ فيما لو استمرت المـُدخَلات كما ذكرناه، ولم تكافَح بطرقٍ دينيّة – علميّة ترقى إلى مستوى هذا التحدّي الخطير الكبير.

من هذه المنطلقات تنبعث أهمّيّة طَرْق مثل هذا الموضوع الذي يتكفل بالدراسة كيفيّة السيطرة على القوّة الغضبيّة والتحكّم في الأعصاب المنفلتة أو المشدودة؟.

القوة الغضبية كلب عقور

وكتمهيدٍ للبحث، ولكي تتجلى لنا أكثر خطورة القوّة الغضبيّة، نقول: إنّ القوّة الغضبيّة يمكن تشبيهها بمثال معبّر جدّاً ودقيق، وهو الكلب العقور أو كلب الهراش، ذلك أنّ من المعروف أنّ الكلب غير المطعَّم، لو عضّ الإنسان، خاصة الأطفال، فإنّ المصاب سيُبتلى بداء الكلب، وداء الكلب داء خطير؛ إذ إنّ الكلب، وكذلك بعض الحيوانات الأخرى كالثعالب والقطط وحتى الأبقار وغيرها، كثيراً ما تنقل إلى الإنسان ـ عبر العضّ ونحوه ـ فيروساً خطيراً يستهدف الجهاز العصبي المركزي بعد فترة حضانة قد تستمر شهراً، حتى يصل إلى الدماغ مُسبِّباً له التهاباً خطيراً.

وتبدأ أعراضه بمثل الصداع والحمّى، ومثل سيلان اللعاب دائماً (كالكلب تماماً)، لتتطور إلى مثل الهلوسة ورؤية أشياء غير موجودة أو سماع أصوات غير موجودة، بل وحتى نوبات من الجنون، ومن أنواعه جنون العظمة، حيث يتخيّل المصاب بهذا الداء، أنّه فوق البشر، وأنّه كذا وكذا، وذلك نظير المصاب بداء القوّة الغضبيّة المنفلتة التي تعود فيما تعود، كما سيأتي، إلى نوعٍ من وَهْم العظمة والكبر والتعالي.

كما يتطور هذا المرض إلى درجة الإصابة برهاب الماء، حيث إنّ المصاب يخاف بشدّة عند رؤية الماء (وقيل: إنّه نتيجة تعذّر ابتلاعه عليه)، ثم يتطور إلى حدّ الإصابة بالشلل، ثم يتطور أكثر فأكثر حتى درجة موت حامل هذا الفيروس لو لم يُعالج.

مخاطر الغضب على ضوء الروايات

والروايات الشريفة تمنحنا رؤيةً أوضح عن مخاطر القوّة الغضبيّة وأضرارها، وهي على طوائف:

الغضب جند عظيم من جنود إبليس

– فقد ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام): (وَاحْذَرِ الْغَضَبَ فَإِنَّهُ جُنْدٌ عَظِيمٌ مِنْ جُنُودِ إِبْلِيسَ‏).

والجُند جمعٌ، والجندي مفرد، كالروم والرومي، وذلك يعني أنّ الجُند يساوي الجيش؛ فالغضب في داخل الإنسان ليس عدوّاً واحداً يترصدك بل هو جيش من الأعداء يواجهك، (نعم، يقع البحث في أنّه هل هو تعبير مجازي أو كِنائي؟ ثم يقع البحث في أنّه هل هو بالفعل كذلك، أي أنّ الغضب يستبطن عشراتٍ من الجنود بأنحاء مختلفة في الشخص الواحد، أو المراد: جيش الغضب مقابل مجموع الناس لا آحادهم).

الغضب مفتاح كل شرّ

– وورد عن الإمام الصادق (عليه السلام): (الْغَضَبُ مِفْتَاحُ كُلِّ شَرٍّ)، وهي عبارة معبِّرة وقوية جداً، إذ يفيد الحديث أنّ الغضب منشأ شتّى أنواع الشرور، بدءاً من السّباب والشتائم، وألوان الغيبة، والتهمة، والنميمة، والتفكك الأسري، وصراعات العوائل، والأحزاب، والعشائر، وصولاً إلى الحروب بين الدول، وإلى سفك الدماء وسحق الحقوق، وحتى الكفر بالله العظيم، والعياذ بالله، من ذلك كلّه.

أركان الكفر أربعة:… ومنها الغضب

– بل ورد عن الرسول المصطفى (صلى الله عليه وآله) أنّ الغضب من أركان الكفر، إذ قال (صلى الله عليه وآله): (أَرْكَانُ الْكُفْرِ أَرْبَعَةٌ: الرَّغْبَةُ وَالرَّهْبَةُ وَالسَّخَطُ وَالْغَضَبُ)، وهو عجيب بدواً، لكنه ليس بعجيب عند التدبّر، إذ ما أكثر ما يدفع الغضبُ المرءَ نحو الكفر بدرجاته (من كفر النعمة إلى كفر العقيدة)، ولعل من وجوهه أن منشأ الحقد والحسد هو الغضب أيضاً ولولا غضب إبليس من تفضيل آدم عليه لما حسده ولما حقد عليه مما أدى إلى كفره.

وكان (صلى الله عليه وآله) يتعوذ من ستة: منها الشرك ومنها الغضب

– وورد عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله) يَتَعَوَّذُ فِي كُلِّ يَوْمٍ مِنْ سِتِّ خِصَالٍ: مِنَ الشَّكِّ، وَالشِّرْكِ، وَالْحَمِيَّةِ، وَالْغَضَبِ، وَالْبَغْيِ، وَالْحَسَدِ).

فكما على الإنسان أن يتعوّذ بالله العظيم من الشرك، وهو أعظمُ الكبائر، عليه أن يتعوّذ بالله تعالى من الغضب أيضاً، والفرق أنّ الشكَّ والشرك على مستوى العقل النظري والجوانح والعقيدة، أمّا الغضب فهو على مستوى النفس ثم الجوارح، وكذلك الحسد وأما البغي فهو جوارحي.

ونقول استطراداً: إنّ الشكَّ خطير إذا نال البُنى التحتية المعرفية والقيم، كمن يشكّك في كون الوفاء والصدق والعدل والإحسان أموراً حسنة، أو يشكّك في كون الظلم والعدوان والنصب والاغتصاب والسرقة أموراً سيئة، فيقول: من قال ذلك؟! مُصِرّاً على تشكيكه، وهو الذي يؤدّي إلى اللاأدرية والعدمية بل والظلامية، بل ويؤدي إلى هدم أسس الحياة نفسها، إذ يشكّك في كلّ شيء، فلا يبقى معه أي شيء، ثم يقال له: أنّه هل يقبل أن يشكّك أحدٌ في طهارة مولده؟ أو في علمه؟ أو في وثاقته؟ أو عدالته لو كان يدّعيها؟!

إنّ الرجل ليغضب… ويدخل بذلك النار

– بل ورد عن الصادق عن الباقر (عليهما السلام): (إِنَّ الرَّجُلَ لَيَغْضَبُ حَتَّى مَا يَرْضَى أَبَداً وَيَدْخُلُ بِذَلِكَ النَّارَ).

وقال (صلى الله عليه وآله) (مَا غَضِبَ أَحَدٌ إِلَّا أَشْفَى عَلَى جَهَنَّمَ)، أي أشرف على جهنم، وقال تعالى: (عَلى‏ شَفا جُرُفٍ هارٍ فَانْهارَ بِهِ في‏ نارِ جَهَنَّمَ)، فإنه مزالق خطر للإنسان.

والسبب هو أنّ الغضب يُغذّي نفسه بنفسه، فهو ككرة الثلج المتدحرجة من أعلى الجبل، حيث تلتقط في طريقها الثلج والوفر المتساقط من السماء على طول الطرق والمنحدرات الجبلية، فتتضخّم كلما مضت الثواني والدقائق، فكذلك الغضب إذا لم يسيطر عليه الإنسان قبل لحظة انفجاره، فإنّه سيتفجّر كالبركان ليلقي بحممه في كل مكان.

– وعن أميرِ المؤمنين (عليه السلام): (الْغَضَبُ نَارٌ مُوقَدَةٌ، مَنْ كَظَمَهُ أَطْفَأَهَا، وَمَنْ أَطْلَقَهُ كَانَ أَوَّلَ مُحْتَرِقٍ بِهَا).

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى