الاستنارة بمشاعل الهداية

لجأت الأمم إلى البحث في بطون التأريخ ودراسته لأسباب عديدة، أهمها استخلاص الدروس والاستفادة من التجارب النموذجية والاستنارة بها، لاسيما بالنسبة لشريحة الشباب كونها المرتكَز الأساس للتطور والتقدم ومواكبة ما يحدث من مستجدات في مجالات الحياة كافة، وبالنسبة لنا يوجد النموذج المثالي والأسوة الأعظم التي يمكن للشباب وغيرهم الاقتداء بها، ونعني بها شخصية الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله.
لذا مطلوب من الشباب على نحو الخصوص أن يدرسوا سيرة هذه الأسوة سواء من حيث القيم الاجتماعية، أو التربوية، أو السياسية، والحياتية على نحو العموم، كون هذه السيرة تمنح الشباب والمطّلعين تنويرا عقليا وعمليا كبيرا، وتجعلهم قادرين على التفرّد والتميز بين الأمم والشعوب الأخرى، بعد استلهام تلك السيرة وهضمها بشكل جيد والتشبّه بها والسير في ضوء أفكارها وقيمها وسيرتها المثالية عبر التأريخ.
ولعل الشباب هم الأكثر حاجة من غيرهم لسبر أغوار هذه السيرة النبوية المُحمَّلة بالتجارب الخلّاقة، لأن مرحة الشباب غالبا ما تكون مهيّأة للوقوع في مجالات الانحراف المختلفة كالغرور أو الوقوع في شباك الخديعة، لهذا يجب أن يكون الشاب أكثر اندفاعا من غيره لتحصيل العِبَر والدروس من القدوة التي تنتشله من الغرور وسواه.
أما الكيفية التي تساند ونساعد بها الشباب على تحصيل الاستقامة في الحياة، فهي توجب على المعنيين من علماء وخطباء ومثقفين أن ينشروا المضامين التربوية والدينية والأخلاقية على نحو واسع ومستدام، حتى يستفيد منها الشباب في تعضيد مسيرتهم الفكرية والسلوكية، ومنحهم القدرات الأخلاقية العالية التي تنقذهم من الانحراف وتجعلهم في موقع الصدارة.
خطوات تشجيعية وتجديدية للشباب
هذه المضامين والمعارف التي ينبغي نشرها، متوفرة في القرآن الكريم وفي السنة النبوية وفي سيرة أئمة أهل البيت عليهم السلام، ومن خلال التعريف بها ونشرها وتفصيلها، وتقريبها من الشباب، يمكن أن نوفر السبل والظروف الصحيحة لكي يستنير بها هؤلاء الشباب، ويصبحوا مشاعل للتنوير الفكري والديني، فيكونوا في مقدمة المهتدين، والقادرين في نفس الوقت على هداية أقرانهم وأصحابهم وزملائهم لسواء السبيل.
ولابد أن يكون المرتكز الأول والأهم للهداية والاستنارة مأخوذا من العترة المطهّرة عبر مبادئهم وأفكارهم كونهم مصابيح هداية للجميع، ومدارس يُشار إليها بالبَنان، من حيث القدرة على تقديم التجارب الخلاقة في المجالات التربوية والدينية والأخلاقية التي يحتاجها الشباب، فعندما يدرسون ويبحثون ويطّلعون على سيرة الإمام السجاد عليه السلام، يحصلون على ثروة حقوقية فعّالة تُعينهم على حماية حقوق الآخرين وأنفسهم أيضا.
وعندما يتم اطِّلاع الشباب على السيَر الأخرى لأئمة أهل البيت عليهم السلام، سيغتنون منها وتقدم لهم حصانة في الفكر والسلوك والأخلاق وكيفية التعامل السليم في الحياة، وهذه في حد ذاتها معارف تنويرية ترتقي بالشباب والناس الآخرين إلى أعلى المراتب، وستكون سببا في بناء أمة تعتمد في حياتها على الاستقامة كثقافة عامة شاملة تنتظم عليها أخلاقيات وتعاملات المجتمع كله، وهذا يعني فيما يعنيه وجود أمة متنورة بين جميع الأمم.
تهذيب وتشذيب السلوك العشوائي
ومن الأهمية بمكان أن تكون هذه الاستنارة متساوقة مع الواقع، ومنسجمة معه، بمعنى أن تكون واقعية في تطلعاتها وأهدافها، وتعتمد في ذلك على السيرة النبوية المعروفة بالواقعية من حيث التنظيم الحياتي، فلا يُترك شيءٌ للفوضى أو العشوائية سواء في التعامل المتبادل أو في ترسيخ العلاقات الاجتماعية بين الناس، لأن التنظيم الواقعي للعلاقات الاجتماعية أمر في غاية الأهمية، كونه يساعد على ترصين البناء المجتمعي.
لذا لابد من استلهام السيرة النبوية والتأسي بشخصيته صلى الله عليه وآله، والاستنارة بسياساته التي حققت النجاح المشهود في كافة مجالات الحياة آنذاك، حيث كانت تسود الفوضى في المجتمع، وتنتشر العشوائية في كل مكان، لكن بمجيء البعثة النبوية والاستنارة بها بشكل واقعي، بدأت تنحسر تلك الفوضى ويتم تهذيبها وتشذيبها، من خلال التنظيم الذي يقوم على واقعية متوازنة هدفها الارتقاء بحياة الناس جميعا.
وحين يُثار تساؤل حول التركيز على الشباب، فإن الهدف واضح ولا يحتاج إلى كثير من العناء للتعرف إليه، فهؤلاء الشبيبة هم في مطالع حياتهم، وكامل حماستهم وتوقدهم، وفي نفس الوقت هم تجارب مستحدثة أو مستجدة لا تمتلك خزينا معرفيا تجريبا مسبقا، بل هم عقول خام كما يُقال، لذا هم يحتاجون إلى رؤى جديدة، وأفكار مختلفة تحلّق بهم عاليا في رحاب التجديد من خلال حثّهم وتشجيعهم على التوغل في العوالم الجديدة المتجددة.
ومع هذه الخطوات التجديدية المشجعة للشباب، لابد أن تكون هنالك رعاية وملاصقة لهم ولتوجهاتهم، ليس بمعنى المراقبة والتقويض، وإنما من باب التوجيه والتصحيح إذا لزم الأمر، كونهم يدخلون في مساحات غريبة عليهم وأفكار لم يطلعوا عليها سابقا، من هنا لابد من مرافقتهم وتنويرهم بالشكل الصحيح، بعيدا عن الاستفزاز، أو قصد الاعتماد والاتكال، وإنما التصحيح الذي لابد منه وعبر أساليب لطيفة غايتها التهذيب والتقريب والانسجام.
وهنا يبرز دور الحوزة العلمية واستقطابها للشباب، ومنحهم الفرص الكافية للتنوير الفكري والديني، وتوفير الإمكانيات التي يحتاجونها وهم يشقون طريقهم الصعب في هذه الحياة، لذا من المهم جدا احتواؤهم ودعمهم وتنويرهم وتعميق الإيمان لديهم من خلال الأسوة.



