اخر الأخبار

كلام في أضرار العمل السياسي !

لاشك أن هناك ضرورات حياتية غير السياسة، وثمة إنشغالات يهتم بها المواطن، ليست بعيدة عن السياسة، ولكنها ليست في صلبها أيضا.
من المؤكد أن الأنشطة الأجتماعية والأقتصادية، تمثل عصب حياة المجتمع، وعنوان تفاعله الذي يبرر صيروراته ومآلاته، لكننا ومنذ 2003 ولغاية اليوم، أخذت السياسة منا مأخذها، وربطنا كثيراً من تفاصيل حياة شعبنا بها، حتى أضحى العمل السياسي والإهتمام به، العنوان الأبرز للنشاط المجتمعي في بلدنا..
في واقع الحال؛ فإن قبالة نشاط إقتصادي واحد، نشهد عشرات النشاطات السياسية، وقبالة نشاط واحد لمؤسسات المجتمع المدني، يسود ساحتنا المحلية هرج لمئات النشاطات السياسية، التي تستنسخ بعضها بعض، بشكل ممل سمج، تفوح منها روائح شخصنة الفعل السياسي، وهي بمجملها لا تعدو أن تكون محاولات تسويقية ساذجة، لشخوص بهتت ألوانهم، وفقدوا إمكانية الوقوف على أقدامهم، ثم لا شيء بعد ذلك، غير تصفيق ونعاس وخواء بالمضمون.
في كل هذا الوقت، ربطنا كلَّ إمكانيات المستقبل بعجلة السياسة، حتى سلوكنا حوّلناه كله إلى سياسة، وتركنا ميادين العمل الأخرى، حتى لقمة عيشنا سلمناها إلى الساسة، إنشغلنا بالسياسة؛ حتى تحولت الى حرفة أو مهنة يمتهنها الكثيرون، كثيرون بقدر أكبر مما لدى شعوب أخرى، تفوقنا عددا بمقدار 50 ضعف مثلا.
عدد المشتغلين بالحقل السياسي العراقي، يفوق عدد المشتغلين بالحقل السياسي الهندي مثلا، بعدة أضعاف، مع أن الشعب الهندي؛ تعداده فاق المليار نسمة منذ عشر سنوات، وتركوا العد والتعداد، وأنصرفوا الى العمل والعمل والعمل، بقدر تعدادهم من المرات، فيما أنصرفنا الى السياسة والسياسة، الى المرة الأربعة والثلاثين مليون مرة، تماما بقدر عديدنا!
راهنا؛ فما إن اقترب موعد إنتخابات مجالس المحافظات، حتى شهدنا منذ عدة اشهر قبل الآن، حراكا سياسيا كبيرا للقوى السياسية، يتمثل في قيامها بإعادة ترتيب أوضاعها السياسية، وبناء بنية إنتخابية، إستعدادا للإنتخابات التي بيننا وبينها ثمانية أشهر من الآن!
عمليا، فإن القوى السياسية شرعت بحملاتها الأنتخابية، حتى قبل أن يقر قانون جديد للأنتخابات، وباكرا بدأت بإشغال الشارع والمجتمع بتعبئة إعلامية، وبدأ سعار دعائي، وفيض من الحراك الذي لا حدود له، على حساب باقي أنشطة المجتمع، التي سيتراجع الإهتمام بها، وسيحصل فاقد في مخرجات تلك الأنشطة، لصالح السياسة..
صحيح أننا حديثو التجربة بالديمقراطية، لكن ألأصح من ذلك، هو أن نستفيد من تجارب الآخرين، في ميدان التعبئة السياسية من أجل الأنتخابات.
في جمهورية إيران الإسلامية على سبيل المثال، لا يسمح بنشاط ترويجي للإنتخابات، من القوى السياسية، بأي شكل من الأشكال، وتحت أي عنوان، قبل وقت محدد، تحدده الجهة المشرفة على الأنتخابات، كما أن حجم الدعاية ألأنتخابية وشكلها وكميتها، وكلفتها، وتوقيتاتها مقننة، بشكل لا يسمح بأن يطغى النشاط السياسي، على أنشطة المجتمع الأخرى، وربما لا تتفرد إيران بهذه التجربة، لكنها تجربة جديرة بالإهتمام..
كلام قبل السلام: إن تراجع النشاط الأقتصادي والمجتمعي، لصالح سيادة السياسة وطغيان تأثيراتها، مؤشر سلبي على ما ستؤول اليه، مخرجات حاضرنا كمستقبل.
سلام..

قاسم العجرش

qasim_200@yahoo.com

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى