المغرب.. المُسيرات الإسرائيلية والرهانات الخاسرة

بقلم: ثابت العمور..
يتجمد الفكر ويحتار الرأي في إيجاد المبررات لبعض المواقف السياسية العربية الرسمية تُجاه الكثير من القضايا ولا سيما تلك التي تتعلق بالتطبيع والعلاقة المتدحرجة مع “إسرائيل” وفي هذا التوقيت تحديداً، وتزداد الحَيرة إذا تعلق الأمر بالتعاون العسكري النوعي؛ هذا ما كشفت عنه صحيفة هآرتس العبرية ووسائل إعلام عربية ودولية، بأن المغرب قد بدأ تشغيل مصنع جديد لإنتاج طائرات مسيّرة انتحارية إسرائيلية قرب مدينة الدار البيضاء، والسؤال ما الذي يعنيه إنتاج المغرب لطائرات مسيّرة إسرائيلية؟ وإلى أين وصلت حدود التعاون العسكري بين الرباط وتل أبيب؟ وما هي التبعات والتداعيات المترتبة على ذلك؟
كشفت الصحيفة أن الإنتاج في المصنع الجديد يأتي بالشراكة بين شركة بلو بيرد الإسرائيلية المملوكة بشكل مشترك للصناعات الجوية الإسرائيلية، وبين جهات مغربية، لكن إنتاجه يعتمد على تكنولوجيا الشركة الإسرائيلية.
وذكرت هآرتس أن شركة “”بلوبيرد إيرو سيستمز” ” ليست القناة الوحيدة التي تبيع من خلالها شركة الصناعات الجوية الإسرائيلية منتجاتها للمغرب، فقد اشترى المغرب لأول مرة طائرات شوفال (هيرون) من دون طيار من إنتاج شركة الصناعات الجوية الإسرائيلية في عام 2014؛ وفي عام 2021، أفادت التقارير بأن شركة الصناعات الجوية الإسرائيلية باعت للمغرب طائرات هاروب الانتحارية من دون طيار، والتي تنتجها أيضًا شركة الصناعات الجوية الإسرائيلية.
والملاحظ أنه منذ توقيع الرباط وتل أبيب اتفاق التطبيع بينهما عام 2020، تصاعد التعاون العسكري النوعي، والذي وصل حد التبادل التقني للصناعات العسكرية الذكية، وأصبح المغرب زبونًا مهمًا للصناعات العسكرية الإسرائيلية. ففي تموز 2024، على سبيل المثال، أبرم المغرب صفقة أقمار اصطناعية مع الصناعات الجوية الإسرائيلية بقيمة تقارب مليار دولار، تمتد على مدار خمس سنوات.
وفي شباط 2022، وقعت شركة الصناعات الجوية الإسرائيلية صفقة لبيع نظام “باراك-أم أكس” المضاد للطائرات للمغرب، بقيمة تزيد على نصف مليار دولار. وفي العام نفسه، أفادت التقارير أيضًا بأن المغرب اشترى 150 طائرة من دون طيار من طراز “بلو بيرد”، وفي حزيران 2025؛ خلال الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، أشارت صحيفة “غلوبس” الإسرائيلية إلى أن المغرب يُجري مفاوضات مع شركة “إلبيت” الإسرائيلية بشأن صفقة مدافع لمركبات قتالية مدرعة جديدة، وشرحت الصحيفة أن “إلبيت” هي المرشحة الأبرز لتزويد المغرب بأبراج مدافع عيار 105 ملم و120 ملم للمركبات القتالية المدرعة التي اشترتها الرباط من مجموعة “تاتا” الهندية.
ولكن صناعة المغرب طائرات انتحارية إسرائيلية مسيّرة، فوق أنه يُعد تحولاً نوعياً وتقنياً في العلاقات المغربية -الإسرائيلية العسكرية، فإنه تحوُّلٌ في العقيدة العسكرية المغربية، وهو تجسيد لتحول استراتيجي سياسي وأمني يحمل أبعادًا داخلية وإقليمية ودولية متشابكة يُعيد توازن القوى والعلاقات والتحالفات والنزاعات في شمال أفريقيا.
ويعني تحول التطبيع من مجرد علاقة سياسية إلى شراكة استراتيجية تتجاوز المحددات التقليدية لتكرس تعاوناً أمنياً غير مسبوق بين المغرب و”إسرائيل”. أما في الإجابة عن دلالات ذلك وتداعياته فيمكن تسجيل التالي:
–هذه الخطوة تعني تحولاً في العقيدة السياسية المغربية؛ إذ إن المغرب منذ استقلاله حافظ على توازن في علاقاته الدولية، لكنه الآن ينحاز بوضوح للمحور الإسرائيلي الأمريكي، مع ما يترتب على ذلك من تداعيات ستؤثر على علاقات المغرب العربية والإسلامية والأفريقية؛ وبالتالي هناك تكلفة ستُدفع لن يعوضها التقارب مع “إسرائيل”.
–سيفضي هذا التطور إلى توسّع نفوذ “إسرائيل” في أفريقيا عبر البوابة المغربية، بما يخدم مشاريع تل أبيب في البحر المتوسط والساحل. وقد يُقابل برد جزائري قوي، وربما يفتح الباب أمام صِدام إقليمي مباشر أو غير مباشر، خاصة مع انسداد آفاق الحل السياسي في ملف الصحراء.
–تصعيد التوتر مع الجزائر التي تعتبر تصنيع مسيّرات إسرائيلية في المغرب تهديدًا مباشرًا، وقد تتحرك دبلوماسيًا أو عسكريًا لإحداث توازن. وقد ترد بتعزيز شراكاتها الدفاعية مع روسيا أو الصين. ما يُعيد تشكيل ميزان القوى في المنطقة ويدفع نحو تسليح أكثر تقدمًا بدل الحوار.
–تصنيع المغرب لطائرات مسيّرة إسرائيلية يمنحه تفوقًا عسكريًا ومكاسب دبلوماسية قصيرة الأمد، لكنه في المقابل يُعيد صياغة موقعه في الخارطة الجيوسياسية الإقليمية، ويدخله في شبكة تحالفات قد تُقيّد قراره الوطني وتضعه في مواجهة قوى إقليمية وشعبية.
–التقارب الأمني بين الرباط وتل أبيب قد يُستخدم من قبل “إسرائيل” لأهداف تتجاوز مصلحة المغرب، مثل تنفيذ عمليات استخبارية أو لوجستية إقليمية، ما يعرّض المغرب لضغوط أو استهداف غير مباشر.
–زعزعة الداخل ولا سيما في ظل تنامي ظاهرة “جيل زد” ومطالبها بالعدالة والتنمية والصحة والتعليم، فرغم الصمت الرسمي، فإن الشارع المغربي لا يزال يحمل حساسية عالية تجاه “إسرائيل”، خاصة في ظل المجازر بغزة. وتصنيع أسلحة إسرائيلية قاتلة بأيدٍ مغربية، خصوصاً المسيّرات التي استُخدمت في اغتيالات وهجمات في غزة ولبنان، قد يُفقد المغرب جزءًا من شرعيته الرمزية في دعم القضية الفلسطينية. وبالتالي تصاعد الغضب الشعبي ضد التطبيع العسكري.
–توسيع التعاون العسكري مع “إسرائيل” يعمّق الفجوة بين المغرب وموقفه التأريخي من القضية الفلسطينية. فبينما تُعلن الرباط دعمها لحل الدولتين وتترأس لجنة دعم القدس، تمضي فعليًا في تحالف أمني عسكري نوعي غير مسبوق مع طرف يمارس الاحتلال والإبادة وجرائم الحرب.
ختاماً إن تصنيع المسيّرات الإسرائيلية الانتحارية في المغرب سيُفضي إلى تداعيات داخلية في الشارع المغربي وسيذهب المغرب باتجاه رهانات خاسرة ومخاطرة أمنية وسياسية وعسكرية غير محمودة العواقب، من بينها تورط المغرب في أجندات إسرائيلية، إضافة إلى تقليص استقلالية القرار العسكري والأمني المغربي تدريجياً وانكشافه أمام “إسرائيل”.



