اراء

الميزان في لقلقة اللسان ..

بقلم : منهل عبد الأمير المرشدي .
مع جُلِّ احترامنا لثلة من الأولين وقليل من الآخِرين من الزملاء والأساتذة الأفاضل الذين يتصدون للتحليل السياسي ويُطلون علينا عبر شاشات القنوات بآرائهم التي تستحق الإكبار والتقدير فإننا نعاني مشكلة تفشي ظاهرة أولئك المتلونين من أشباه المحللين في عالم السياسة وهم خلاصة أقوام لا مصداق فيهم لمعنى الوطن ولا وطنية تؤطر آراءهم إلا حينما تُرفع الأجور وتُملأ الجيوب وتضاء الكاميرات . اليوم نحن نعيش رهن تداعيات السياسة في أحقر صورة لها وأنجس واقع وأبشع تطبيق فيما يحتوي أربابها وأصنامها من الكذب والظلم والنفاق والفساد على حساب مصالح الشعوب ومستقبلها وأمنها وأمانها . في هكذا زمن صار فيه الصمت حكمة والكلام تجارة والتحليل بضاعة تباع في مزادات المساء الرخيصة خرجت علينا وجوه وأسماء من المحللين السياسيين المتدربين على رقصات المواقف والتائهين في دهاليز المصالح الذين لا يعرفون من الحق إلا اسمه ولا من العلم إلا رسمه ولا من الثوابت إلا ما يمهد لذر الرماد في العيون تمهيدا للحصول على الوظائف الرفيعة .. هم الراقصون على جميع الأنغام فإذا دق الطبل في الشرق رقصوا على إيقاعه وإذا شاء القدر وكان الإيقاع غربيَّ الهوى صفقوا له صفقة العمر وغيروا مواقفهم قبل أن يتغير السؤال !! إنهم طواويس في القدرة على التلون والتلوين لكنهم أشبه بتلون البقعة الزيتية في مياهٍ راكدة
حيث يخرج بعضهم علينا بلقب الخبير في كل شيء إلا الشيء نفسه !!! بعضهم خبير في الأمن حينًا وفي الاقتصاد حينًا وفي الجيوسياسة أحيانا … إنهم أصحاب المواقف المطاطية القابلة للمد والتمديد حيث شاء الرأس الجديد وللتقصير حين يتغير مجرى الرياح وتلوح في الأفق ملامح الممول الجديد ولا وطن ولا وطنية ولا هم يحزنون فيعيدون تشكيله بحسب اتجاه الريح الإقليمية والتقلبات المحلية . إنهم قوم إذا وقعوا في اليأس وصفوه بأنه خطة استراتيجية بعيدة المدى وإذا عاشوا رهينة الخراب قالوا إن التغيير يحتاج إلى الفوضى الخلاقة . بل وحتى إذا رأوا ضياعا وشيوعا في العمالة والخنوع قالوا إنها متطلبات لمرحلة انتقالية لابد منها نحو المستقبل الجديد في العالم الجديد وكل سوء جديد !!! يحكمون على الجميع باليأس حيثما شاءوا ويفتحون الآفاق لمن يشاءون ويشتمون اليوم مَنْ مدحوه بالأمس ويمدحون غدا من شتموه آنفا فكل مواقفهم مصداق للزواج المؤقت وكل رأي عندهم ثوب مستأجر وكل كلمة على ذمة الاستعمال .. إنهم رواد صناعة الأصنام المعاصرة فينفخون في التوافه لتصبح قامات ويرفعون الغثاء ليصير زعامة ويبنون من الرمال جبالا حتى إذا هبت رياح التغيير وتغير المزاج مسحوا الرمال وهدموا الجبال وبنوا من حبات الرمل بطلا جديدا .
يرون في كل كارثة فرصة وفي كل أزمة منحة وفي كل انهيار إنجازا وفي كل صرخة ألما مؤشرا على التعافي . وجوه أمست معروفة مفضوحة مكشوفة تراهم في أغلب القنوات بذات الوجه وذات اللسان وذات البدلة بكلام كثير وفهم قليل وضمير غائب حضورا ووجدانا . الحقيقة لديهم سلعة موسمية تباع في كل فصل بسعر .. هم اليوم هنا وغدا هناك وقد نراهم بعدها لا هنا ولا هناك بل بوجه جديد وفي إستوديو جديد وتحليلٍ معاد التدوير وعنوانٍ صارخ يقول إنها الحقيقة الكاملة ولا حقيقة كاملة إلا أنهم بلا حقيقة . ويبقى السؤال معلقا ؛ هل نظل نمنح المنابر لمن باعوا الكلمة في سوق المنافع وهل تبقى السلطة الرابعة رهينة المنافقين من أصحاب اللسان المتقلب وهل تظل ساحة الوطن ملعبا لهواة التحليل الفارغ ؟ أسئلة لا جواب لها وقد اعتدنا عليها مذ كنا وكان الحق رهن الغربة والحقيقة رهن الشبهة وحسبنا الله ونعم الوكيل.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى