تضارب أرقام الدَّين العام يخلق فجوة في البيانات بين المالية والمركزي

ضبابية تغطي المبالغ المقترضة
المراقب العراقي/ أحمد سعدون..
عاد ملف الدَّين العام في العراق إلى الواجهة بعدما ظهر تضارب واضح بين تقديرات وزارة المالية وبيانات البنك المركزي أثار موجة واسعة من الأسئلة والانتقادات، فقد أعلنت وزيرُ المالية أن حجم الدين الخارجي، بشقيه الفعال وغير الفعال، بلغ 43 مليار دولار، في حين تشير بيانات البنك المركزي إلى رقم مختلف تماماً يصل إلى 54.957 مليار دولار حتى نهاية حزيران 2025، الفارق الذي يقارب 12 مليار دولار ليس تفصيلاً قابلاً للتجاوز، بل يمثل فجوة تكشف اضطراباً في آليات عرض البيانات المالية، ما يدفع المتابعين إلى طرح سؤال جوهري: أي الجهتين تقدم الأرقام الأدق؟.
هذا التباين دفع خبراء الاقتصاد إلى الدعوة لإصدار توضيح رسمي يفسر أسباب الاختلاف ويعيد الثقة للرأي العام، معتبرين أن تقديم بيانات مالية متضاربة يضع المواطن أمام حالة من الارتباك وعدم اليقين، مشددين على ضرورة تنسيق أعلى بين المؤسسات المسؤولة عن إدارة ملف الديون، وعدم ترك المجال للتقديرات الفردية أو للقراءات غير الموحدة.
وأكدوا أن الديون الخارجية الواجبة السداد فعلياً لا تتجاوز 13 مليار دولار فقط، وأن نصف هذا المبلغ مؤجل إلى ما بعد عام 2028، مبينين أن العراق لم يتخلف يوماً عن سداد أي التزام، بفضل التنسيق المالي والفني بين وزارة المالية والبنك المركزي، وهو ما يعكس قدرة الدولة على الإيفاء بتعهداتها المالية في المواعيد المحددة.
ولفتوا الى أن الجزء الأكبر من الدَّين المسجل دولياً والذي يقارب 40 مليار دولار فهو يعود إلى ديون تعود للنظام المقبور.
وتُعتبر هذه الديون حسب رأي المراقبين الدوليين مجمدة فعلياً ولا تقع مسؤولية سدادها على الحكومة الحالية، كما أنها خاضعة لاتفاق نادي باريس لعام 2004 الذي شطب بموجبه أكثر من 80% من ديون العراق قبل عام 2003، ولذلك تبدو أرقام البنك المركزي أعلى لأنها تشمل الديون المسجلة دولياً، بينما تعتمد وزارة المالية الأرقام الخاصة بالديون الفعلية القابلة للسداد فقط.
بينما يرى الخبير الاقتصادي صالح مهدي الهماش في حديث لـ”المراقب العراقي”، أن “هذا التضارب لا يؤثر فقط على صورة الوضع المالي داخلياً، بل ينعكس أيضاً على نظرة المؤسسات الدولية للعراق”.
وأضاف، أن “عدم توحيد البيانات المالية يُضعف قدرة العراق على التفاوض الخارجي ويؤثر على التصنيفات الائتمانية، لأن الجهات الدولية تعتمد على دقة وموثوقية البيانات الرسمية”.
وحذر الهماش من “استمرار هذا التباين، لأنه قد يؤدي إلى فقدان الثقة بإدارة ملف الدين العام، داعياً إلى توحيد آليات احتساب الدين بين وزارة المالية والبنك المركزي واعتماد صيغة مشتركة تضمن انسجام البيانات”.
وشدد الهماش “على ضرورة إصدار بيان موحد يوضح للرأي العام الفرق بين الدين الفعلي والدين المسجل دولياً، مع نشر تفاصيل شفافة حول طبيعة الديون ومصادرها واستحقاقاتها، كما على أهمية تشكيل لجنة تنسيقية دائمة بين المؤسستين لضمان تحديث البيانات وفق منهجية موحدة تمنع تكرار مثل هذه الفجوات المستقبلية”.
ومع تصاعد الجدل حول الأرقام المتضاربة، يبقى ملف الدين العام اختباراً لمدى شفافية الإدارة المالية في العراق وقدرتها على تقديم صورة دقيقة وواضحة، بما يضمن ثقة المواطنين والشركاء الدوليين على حد سواء.
ووفق هذا الصورة الضبابية أكدت وزيرُ المالية طيف سامي، أن مستوى الدَّين العام في العراق ما يزال تحت السيطرة وبداخل الحدود الآمنة، مشيرة إلى أن الوزارة تواصل العمل على تعظيم الإيرادات وتقليل الضغط على الخزينة عبر ضبط الإنفاق.



