الأمطار تعيد الأمل وتستوجب إدارة فعالة للخزين المائي

بعد فصول من الجفاف
المراقب العراقي / أحمد سعدون..
في أعقاب موجة الجفاف القاسية التي استمرت سنواتٍ طويلة وهددت الامن المائي والغذائي للعراق، جاءت موجة الامطار الأخيرة التي ضربت مناطق واسعة من البلاد لتشكل بارقة أمل حقيقية باستعادة جزء من الخزين المائي وتعويض النقص الحاد الذي قارب على تهديد مياه الشرب في أيامه الأخيرة، حيث شهدت أغلب محافظات العراق هطول أمطار بين غزيرة الى متوسطة الشدة، رافقها ارتفاع لمناسيب الانهر والجداول، بعد أن كانت مناطق كثيرة مهددة بالعطش وتراجع إنتاجها الزراعي بالإضافة الى انهيار مساحات واسعة من البساتين والمحاصيل، فضلاً عن خسائر طالت أحواض الاسماك التي تعتمد اعتماداً مباشراً على استقرار الإمدادات المائية.
ورغم أن” الامطار حملت ارتياحاً شعبياً واضحاً، فإن أهميتها تتجاوز كونها حالة مناخية عابرة، إذ جاءت في لحظة حرجة من أصعب المواسم الزراعية التي مرت على البلاد ، حيث اضطر آلاف الفلاحين الى تقليص خططهم الزراعية وفق التوجيهات الحكومية الأخيرة ، بسبب شح المياه الذي أثر على زراعة القمح والشعير والخضراوات، مُسببًا تراجعاً في الانتاج المحلي وزيادة الاعتماد على الاستيراد، كما أدت موجة الجفاف الى تراجع كبير في إنتاج الثروة السمكية نتيجة نفوق ملايين الاسماك ، وفي هذا السياق، تمثل الامطار الحالية فرصة استراتيجية لإعادة التوازن الى القطاعات المتضررة، شريطة حسن إدارتها.
وزارة الموارد المائية بدورها أعربت عن تفاؤلها بموسم رطب قد يسهم بتعزيز الخزين الاستراتيجي، معلنة أنها باشرت ضخَّ المياه من بحيرة الثرثار باتجاه الفرات لتعويض النقص السابق، هذا التفاؤل يعكس أهمية تحويل الامطار الى رصيد فعلي في الخزانات والسدود والبحيرات، بدلاً من تركها تتسرب هدراً الى شط العرب ثم الى الخليج، ولفتت الوزارة الى أن المؤشرات الاولية تبشر بعام مائي أفضل مما كان متوقعاً، وهو أمر يفتح المجال امام خطط أوسع لإعادة توزيع المياه، ودعم الموسم الشتوي.
وفي ذات السياق أكد الخبير في السياسات المائية عمر عبد اللطيف في حديث لـ”المراقب العراقي”، أن “الامطار الحالية لن تكون ذات جدوى إذا لم يتم التعامل معها ضمن رؤية علمية شاملة تعالج مشكلات البنية التحتية المائية، مبيناً أن العراق يعاني منذ سنوات غيابَ منظومة متكاملة لحصاد المياه، وضعف القدرة على تخزين كميات كبيرة من الامطار، الامر الذي يجعل الكثير منها يتحول الى سيول ضائعة دون استثمار”.
وأكد عبد اللطيف “ضرورة الشروع في مشاريع حصاد المياه عبر بناء السدود والخزانات واستعادة كفاءة شبكات الري التقليدية والحديثة، وتقليل الهدر الناتج عن التجاوزات وضعف الصيانة”.
كما شدد على “ضرورة ارتباط إدارة الامطار بخطة زراعية مرنة تستفيد من تحسن الموارد المائية لتوسيع المساحات المزروعة بالحبوب والمحاصيل الاستراتيجية، وتقوية الامن الغذائي الذي تعرض لاهتزاز كبير بفعل الجفاف خلال السنوات الماضية”.
وتُعتبر المياه العمود الفقري لاستعادة الإنتاج الزراعي وتعزيز الثروة السمكية، والحد من الخسائر الاقتصادية التي تكبدتها البلاد في السنوات الماضية، سواء من خلال تراجع المحاصيل أو نفوق الاسماك او ارتفاع كلفة الاستيراد.
من جانبهم يرى مراقبون أن “موجة الامطار الاخيرة قد تكون نقطة تحول إذا ما رافقتها خطوات حكومية مدروسة، تشمل تطوير الخطة المائية الوطنية، وتعزيز التعاون بين وزارات الزراعة والموارد المائية والبيئة، وتفعيل دور مراكز البحوث في تقديم حلول علمية، مؤكدين أن العراق يمتلك فرصا كبيرة لإعادة بناء منظومته المائية وتحويل التحديات المناخية الى مكاسب، شريطة أن تكون الامطار بداية لمشروع وطني شامل ينهي فصول الجفاف ويعيد للأرض عافيتها وللمُزارِع قدرته على الإنتاج”.
وأكدت وزارة الزراعة في وقت سابق أن “العراق يمر بأشد سنوات الجفاف بشكل غير مسبوق”، واصفةً السنة الحالية بأنها “من أسوأ السنوات المائية منذ أكثر من 90 عاماً”.
وأرجعت الوزارة أسباب هذه الأزمة إلى التغيرات المناخية واستمرار دول المنبع، وخاصة تركيا، في إنشاء المشاريع على منابع الأنهار، مما انعكس سلباً على الواردات المائية لنهري دجلة والفرات وأثر بالواقع البيئي والزراعي في العراق”.



