الاكتفاء الذاتي من البنزين تفاؤل رسمي يبدده تشكيك المختصين

انجاز اقتصادي أم دعاية انتخابية؟
المراقب العراقي/ أحمد سعدون..
على الرغم من اعلان الحكومة العراقية مؤخراً عن تحقيق الاكتفاء الذاتي من مادة البنزين والمشتقات النفطية، في خطوة وصفتها بالتأريخية بعد عقود من الاعتماد على الاستيراد لتغطية الطلب المحلي، لكن هذا الإعلان، رغم أهميته الاقتصادية، أثار جدلاً واسعاً بين من يراه إنجازاً حقيقياً يستحق الإشادة، ومن يشكك في استدامته، ويخشى أن يكون جزءاً من خطاب سياسي يسبق الاستحقاقات الانتخابية.
وبحسب البيانات الرسمية، فإن مشاريع تطوير المصافي في كربلاء والبصرة والقيارة، أسهمت في رفع القدرة الإنتاجية للبلاد إلى مستوى يلبي احتياجات السوق المحلية من البنزين عالي الأوكتان والمشتقات الأخرى، وتشير الجهات المعنية إلى أن العراق لم يعد بحاجة إلى استيراد كميات إضافية من الوقود منذ أشهر، بل يملك فائضاً محدوداً يمكن استخدامه للاحتياطي أو التصدير، غير أن “خبراء في مجال الطاقة عبروا عن قلقهم وتشكيكهم في تقييم هذا الإنجاز، معتبرين أن الاكتفاء الذاتي لا يعني نهاية الحاجة إلى الاستيراد بشكل دائم، بل هو نتيجة ظرفية تعتمد على استقرار الإنتاج في المصافي الحالية وعلى مستوى الطلب المحلي، مبينين، ان المصافي العراقية، رغم التحديثات التي شهدتها مؤخرا، مازالت تعمل بقدرات بسيطة ومتفاوتة ولا تخلو من الأعطال والتوقفات المتكررة، الأمر الذي قد يؤدي إلى حدوث مشاكل تقنية مفاجئة في الإمدادات”.
بينما يشير مراقبون إلى أن “الإعلان عن الاكتفاء الذاتي جاء متسرعاً دون خطط وتزامن مع فترة نشاط سياسي متصاعد وهو قرب الانتخابات التي تتعالى فيها التصريحات السياسية دون دراسة أو تقييم للواقع العراقي، مما جعل البعض يقرأه في إطار الدعاية الانتخابية أكثر مما هو إعلان اقتصادي راسخ، فالتأريخ القريب يشهد تصريحات مشابهة لم تصمد طويلاً، إذ عاد العراق بعدها إلى الاستيراد عند أول أزمة أو نقص في الإنتاج”.
من جانب آخر، يؤكد الخبراء، أن “مفهوم الاكتفاء الذاتي يجب أن يفهم في سياق ديناميكي وليس ثابتاً، فهو يعتمد على موازنة دقيقة بين الإنتاج والاستهلاك والاحتياطي، وعلى قدرة الدولة في إدارة الطاقة بكفاءة، فارتفاع الطلب الداخلي على البنزين مع زيادة عدد السيارات والأنشطة الاقتصادية قد يعيد الضغط على منظومة التكرير ما لم تواكبه توسعة حقيقية في الإنتاج”.
وأضافوا، ان “تقليل الاستيراد خطوة مفيدة للعراق، لأنها توفر مبالغ ضخمة من العملة الصعبة كانت تذهب إلى الأسواق الخارجية، لكنها في الوقت نفسه، لا تعني أن البلاد تجاوزت مشاكلها البنيوية في قطاع الطاقة، فالتحديات مازالت قائمة في البنية التحتية ومجالات الصيانة والتحديث والتوزيع ومراقبة الجودة، فضلاً عن الفساد الإداري الذي يعرقل استدامة أي إنجاز اقتصادي”.
ولفتوا الى أن “الحل يكمن في تحويل هذا الإعلان من شعار إلى خطة وطنية طويلة الأمد، تتضمن تحديث البنية التحتية وإنشاء مصافٍ جديدة في المحافظات التي تعاني نقصاً في الإمدادات، إضافة إلى تشجيع الشراكات الاستثمارية مع الشركات العالمية المتخصصة في تقنيات التكرير الحديثة”.
ومن جانب آخر، أكد الخبير الاقتصادي صالح مهدي الهماش في حديث لـ”المراقب العراقي”، أن “العراق لا يزال بعيداً عن مرحلة تحقيق الاكتفاء الذاتي من البنزين والمشتقات النفطية، خلافاً لما أعلنته الحكومة مؤخراً”.
وقال الهماش: إن “الحكومة كان من المفترض أن تعمل خلال السنوات الماضية على تطوير المصافي النفطية وزيادة طاقتها الإنتاجية”، لافتاً إلى أن “المواصفات التي تنتجها المصافي العراقية حالياً ما تزال ضعيفة ولا تواكب المعايير العالمية، الأمر الذي يجبر العراق على الاستمرار في استيراد البنزين المحسن”.
وأضاف، أن “الزيوت والشحوم المستخدمة في مختلف القطاعات مازال العراق يستوردها بقيمة تصل إلى 3 مليارات دولار سنوياً للقطاعين العام والخاص، نتيجة تنوع الآلات والمكائن الحديثة التي دخلت البلاد”، مستبعداً، “إمكانية تحقيق الاكتفاء الذاتي لجميع المشتقات النفطية، باستثناء بعض الأنواع مثل وقود الديزل أو النفط الأسود”.
وأوضح الهماش، أن “المنتج العراقي لم يرتقِ بعد إلى مستوى المواصفات العالمية، والدليل على ذلك استمرار الحكومة في العمل بنظام الحصص لتوزيع المشتقات النفطية”، لافتاً إلى أن “العراق يستورد حالياً أكثر من 30 مليون لتر من البنزين يومياً، لعدم قدرته على تغطية هذا الطلب محلياً”.
وتابع، أن “أصحاب المولدات والشاحنات الكبيرة مازالوا يعانون صعوبة في الحصول على زيت الغاز، ما يؤكد أن أزمة المشتقات النفطية لا تزال قائمة، رغم التصريحات الحكومية المتفائلة”.
وما بين التفاؤل الرسمي والشك الشعبي، يبقى الاختبار الحقيقي في الأشهر المقبلة، حين يتضح ما إذا كان العراق قادراً فعلاً على تلبية احتياجاته من الوقود بشكل مستدام، أم أنه سيعود مجدداً إلى الاستيراد من الأسواق الخارجية، حسب رأي الخبراء.



