“طوفان الأقصى” يفجّر قطار التطبيع ويوقفه على بوابة الحرمين

غزة مدرسة الصمود وشرارة الانتصار
المراقب العراقي / سداد الخفاجي..
دخلت معركة طوفان الأقصى خلال هذه الأيام عامها الثالث، وسط استمرار المجازر الصهيونية وسياسة التجويع والتنكيل بحق شعب غزة، عامان من القصف الوحشي والقتل العشوائي دون أن يهتز ضمير العالم أو تتخذ الدول التي تدعي حقوق الإنسان أية خطوة من شأنها أن توقف الوحشية الصهيونية ضد أبناء غزة العزل، وسط صمت مُخزٍ ومخجل للدول العربية والإسلامية التي اختارت جانب السكوت خوفاً على عروشها من الانهيار أو أن تمسها نيران الحرب، في المقابل رفضت قوى المقاومة الإسلامية وكعادتها الاستسلام والرضوخ لدول الاستكبار ورفعت راية التحدي لتكتب فصلاً جديداً من البطولات في مواجهة المشاريع التوسعية بالمنطقة.
وعلى الرغم من حرب الإبادة الجماعية وآلاف الشهداء والجرحى وتدمير البنى التحتية لقطاع غزة، واغتيال كبار قادة المقاومة في المنطقة، لكنْ لا يمكن أن نغفل الإنجاز الكبير الذي حققته معركة طوفان الأقصى والمتمثل بإفشال أكبر مشروع توسعي في الشرق الأوسط، والذي يهدف الى تقسيم بلدان المنطقة الى دويلات تكون تحت سيطرة الكيان الصهيوني، والاستيلاء على ثرواتها، إضافة الى انكسار هالة القوة العسكرية الصهيونية التي كانت ترعب بها العالم.
إنجازات طوفان الأقصى لم تتوقف عند هذا الحد بل كان لها دور كبير في إنهاء مشروع التطبيع مع الكيان الصهيوني الذي تبنته الدول العربية وفي مقدمتها السعودية والامارات والأردن، كما أعادت القضية الفلسطينية الى الواجهة لتتصدر عناوين وسائل الاعلام العالمية، بعدما كان ذكرها قبل المعركة على الهامش، سيما مع ضعف السلطة الفلسطينية التي انساقت بشكل كبير وراء المخططات الإسرائيلية والأمريكية لتأتي معركة الطوفان وتنسف كل تلك المحاولات، وكان الاعتراف العالمي بالدولة الفلسطينية أحد ثمار هذه المعركة.
رسخت طوفان الأقصى مفهوما بين الشعوب العربية، بأن السبيل الوحيد للوقوف أمام المخططات التوسعية هو المقاومة، لذلك فأن محور المقاومة الإسلامية في المنطقة ارتفعت شعبيته بشكل كبير بين الشعوب وصار الجميع يرفع شعاراتها حتى وإن كانت حكومات تلك البلدان مُطبِّعة ومؤيدة للكيان الصهيوني وسياساته في المنطقة، ناهيك عن الصمود الأسطوري لسكان غزة الذين رفضوا ترك أرضهم وواجهوا الموت والجوع والعطش على مدى أكثر من عامين.
ويقول المحلل السياسي صباح العكيلي لـ”المراقب العراقي” إن “عملية طوفان الأقصى استطاعت أن تحقق الكثير من المكاسب السياسية والأمنية والإعلامية، فقد استطاعت أن تكسر شوكة الجيش الصهيوني وتكبده خسائر كبيرة، بعد أن أثبتت بأن جيش الاحتلال واهن وضعيف، مشيراً الى أن المقاومة استطاعت إفشال القدرة الاستخبارية للكيان الصهيوني”. وأضاف العكيلي أن “نتنياهو فشل في احتلال غزة بعد مضي عامين من الحرب وهذا دليل إخفاق للكيان الغاصب، الذي يعاني مشاكل داخلية رغم الدعم الأمريكي اللا محدود”.
وتابع أنه “بعد طوفان الأقصى أصبحت القضية الفلسطينية دولية وقبل ذلك رُكنت خلف مشاريع التطبيع، والدليل التغير الكبير في سياسات العالم والاعتراف بفلسطين دولة وهذا انتصار كبير للقضية الفلسطينية، التي أصبحت قضية رأي عام وجميع الشعوب متعاطفة معها خاصة مع استمرار الجرائم بحق المدنيين من الأطفال والنساء والشيوخ”.
وأوضح أن “الكيان الصهيوني اليوم يعيش عزلة دولية كبيرة، ويعاني انقسامات ومشاكل داخلية كبيرة، فضلاً عن المشاكل الخارجية، وبالتالي فأن واحدا من أهم الأهداف التي حققتها معركة طوفان الأقصى هو كشف الوجه الدموي للكيان الغاصب والاعتراف بالدولة الفلسطينية”.
وأشار العكيلي الى أن “محور المقاومة الإسلامية استطاع أن يفشل المشروع التوسعي الذي تقوده دول الاستكبار وهو مشروع الشرق الأوسط الجديد، وكان سداً منيعاً، وخير ناصر للمقاومة الفلسطينية، لتصبح قوى المقاومة أكثر شعبية بين الدول العربية والإسلامية”.
عامان من القصف ونزيف الدم لم تكفِ لإسقاط غزة المحاصرة، والتي يئن شعبها من الجوع، ليرسم الشعب الفلسطيني خلالهما لوحة الصمود الأسطوري، ويغير أبجديات الحروب التي تميل لصاحب القوة العسكرية، إذ هُزم الكيان الصهيوني المدجج بالسلاح الأمريكي والأوروبي على أيدي مقاتلين بالأسلحة التقليدية، وشعب لا يملك سوى الصمود للحفاظ على ما تبقى من أرضه، وبالتالي فمهما دفعت الشعوب المقاومة من أثمان فهي أثمان مشرفة ستُكتب في الصفحات الأولى من التأريخ.
قبل السابع من تشرين الأول كانت الأمور متجهة نحو التطبيع، والكيان الصهيوني يواصل اقتضام أراض من الضفة ويفرض حصاراً على غزة، والسلطة الفلسطينية مواكبة لمشاريع التطبيع التي تقودها دول الخليج، والعالم بأسره يرفض الاعتراف بدولة فلسطين، لكن ما إنْ جاءت طوفان الأقصى حتى تغيرت المفاهيم وقلبت الطاولة على دول الاستكبار، إذ تعيش إسرائيل عزلة دولية غير مسبوقة، فيما باتت المصالح الأمريكية هدفاً سهلاً لقوى المقاومة في المنطقة.



