ثقافية

آمال

914

غسان عباس محسن

برغم أنها كانت تتصور بأنها قد حسمت الأمر مع نفسها وانتهت من اتخاذها لقرار نهائي بخصوص ذلك الموضوع، إلا أن شيئا من التردد كان يجول في فكر (أم أحمد)، فيحدث في رأسها ما يشبه دبيب نملة ترفض الاستكانة، لذا بدا وجه المرأة الحنطي كمرآة كانت تعكس ما كان يجول في رأسها من مخاوف تلد تساؤلات متلاحقة. فهي لم تكن تعلم خلال تلك اللحظات إن كانت تريد حقا القيام بذلك الأمر ام لا، او لعلها كانت تريد القيام به لكن الخوف من عواقبه هو ما كان يضعها في موضع المترددة والمتوجسة، وصدف أن تذكرت خلال تلك الأثناء ملامح وجوه أطفالها الصغار، وخصوصا أصغرهم والذي لم يبلغ بعد سبعة الأعوام من عمره، والذي كان قد رمقها بنظرة بلهاء قبل مغادرتها للمنزل، تلك النظرة حركت في داخلها عدة أشياء، ولكن وأن كانت هنالك أسباب كثيرة تدعوها للامتناع عن القيام بذلك الأمر إلا أن هنالك أسبابا أخرى تدعوها وبشدة لقيام به، منها أنها أصبحت المعيلة الوحيدة لهذه الأسرة لذا فهي تحتاج لكسب المال بأية طريقة ممكنة، ثم كان هنالك ذلك الحقد الذي نما في قلبها كبرعم خبيث فجعلها تحنق على أهل ذلك الحي الذي كانت تعيش فيه، وذلك بعدما سمعت من بعضهم كلمات مسيئة لها ولمعتقداتها الدينية.
وكانت هنالك أيضا الحادثة التي قتل فيها زوجها قبل عامين على خلفية طائفية، وأم أحمد وان كانت تجهل ـ كما يجهل رجال الشرطة ـ الأشخاص الذين قتلوه إلا أنها كانت متأكدة من أن بعض سكان الحي قد ساهموا فعلا بقتله.
ازدادت خطوات قدميها الممتلئتين إصرارا لكن رؤيتها لبعض الأطفال الذين كانوا في طريقهم إلى مدارسهم جعل دبيب التردد يعود إلى رأسها فتباطأت خطواتها مرة أخرى وتساءلت في سرها: ترى ما ذنب أولئك الأطفال إن سلمت بجرم أهاليهم؟
ولكن إصرارها على القيام بذلك الأمر عاد إليها بعد أن تذكرت شيئا من الإساءات التي تعرض لها أطفالها من بعض أطفال الحي.
حثت خطاها ومضت مسرعة نحو ذلك المكان، وبعد لحظات وصلت إلى الرصيف الذي كان الأهالي يلقون عليه بنفاياتهم.. ارتجفت يداها الممتلئتان اضطرابا وودت لو أن شيئا ما يحدث ويحول دون وضع لتلك العلاقة التي احتوت قنبلة على ذلك الرصيف، تلفتت يمينا وشمالا ثم وضعتها هناك منهية لحظات مترعة بالتوتر والقلق، لكنها وما أن مضت إلى منزلها واطمأنت إلى أن أحدا لم يعرف بأنها قد وضعت القنبلة حتى تفجر سيل ندم من ضميرها ليخلف بركة حزن كبير في قلب تلك المرأة، تمنت لو يعود الزمن بها لتلك اللحظة حتى تعدل عن فعل ما قد فعلته، فهي وان كانت قد عانت ما عانته من بعض سكان ذلك الحي إلا أن قلبها وهي المرأة الأمية البسيطة كان ممتلئا بالطيبة والتسامح برغم كل شيء، ولعل الأفواه الصغيرة الفارغة لأطفالها هي ما دفعتها في حقيقة الأمر لفعل ذلك حتى لو تصورت مع نفسها بأن هنالك أسبابا أخرى، لم يعد لديها بعد أن فعلته ما فعلته غير أن تدعو الله وترجوه بان لا تنفجر تلك القنبلة او أن تنفجر من غير أن تؤذي أحدا.
مرت دقائق من القلق والترقب أعقبتها ضوضاء وجلبة في الحي وعلمت ام احمد من بعض الصبية بان رجال الشرطة قد عثروا على قنبلة قرب النفايات وأنهم أبطلوا مفعولها..
حمدت الله وشكرته كثيرا واستعادت مع نفسها تفصيل ذلك الصباح الممتلئ بالاضطراب ثم تساءلت في سرها: ترى هل أفعل شيئا مماثلا في المستقبل؟ تطلعت في وجوه بعض جاراتها، بدا وكأن الإجابة على سؤالها تعتمد على طريقة تعاملهن معها في قادم الأيام.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى