في العراق.. لندن تسير وراء واشنطن

بقلم: عادل الجبوري..
صرّح السفير البريطاني في العراق عرفان صديق، قبل ثلاثة أسابيع، بأن “الحاجة الى الحشد الشعبي انتفت، وينبغي حلّه أو دمجه في المؤسسات الدولة العراقية الأمنية الرسمية”. وقال حرفياً: إن “تشكيل الحشد الشعبي جاء لمحاربة الإرهاب ممثلًا بعصابات داعش، وطالما انتهت مهمته بدحرها فلم تعد هناك حاجة إليه”.
التصريحات التي أثارت موجة واسعة من الغضب والاستياء والرفض بين مختلف الأوساط والمحافل السياسية والشعبية العراقية، جاءت بعد وقت قصير من سلسلة تحذيرات أمريكية من تبعات إقدام البرلمان العراقي على إقرار قانون الحشد الشعبي، وردت على لسان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ووزير خارجيته ماركو روبيو والقائم بأعمال السفارة الأمريكية في بغداد ستيفن فاجن، ومسؤولين أمريكيين آخرين، إضافة الى مؤسسات بحثية وإعلامية أمريكية عديدة.. أما فيما يتعلق بتصريحات السفير البريطاني، ينبغي الإشارة الى مسألتيْن:
الأولى: هي أن المعروف والشائع عن بريطانيا التي كانت تحكم وتتحكّم بأمريكا، حينما كانت إمبراطورية عالمية عُظمى لا تغيب عنها الشمس، باتت منذ الحرب العالمية الثانية، أو بعدها مباشرة، تابعة وخاضعة في مجمل مواقفها وسياساتها وتوجهاتها للولايات المتحدة الأمريكية، حتى إن البعض كان وما يزال يصفها من باب التهكم والسخرية أو من باب توصيف الواقع بدقة، بأنها أشبه ما تكون بولاية أمريكية تتمتع باستقلالية شكلية أكبر، مما تتمتع به الولايات الخمسين.
كما أن بريطانيا نادراً ما تبنت طوال الثمانين عاماً المنصرمة، موقفاً أو مواقف مختلفة عن المواقف الأمريكية بخصوص قضية ما. ويبدو هذا الأمر واضحًا وجليًا الى حدّ كبير بالنسبة إلى العراق، فهي التي ألقت بكل ثقلها وإمكاناتها وقدراتها مع الولايات المتحدة لدعم وإسناد نظام صدام المقبور في حربه ضد الجمهورية الإسلامية الإيرانية، طوال ثمانية أعوام، وهي التي سارت وراء الولايات المتحدة في حربها لــ”تحرير الكويت” في العام 1991، وفعلت الشيء نفسه في حرب إسقاط نظام صدام واحتلال العراق، في العام 2003، ولم تكن مواقفها الحقيقية لا الظاهرية، إيجابية تُجاه مجمل العملية السياسية والتحديات والتهديدات الأمنية التي واجهها العراق طوال عقدين من الزمن.. وأكثر من ذلك، ففي الوقت الذي كانت الولايات المتحدة الأمريكية تتصدر المشهد وتحاول ان توجه وتتحكم بصورة علنية واضحة عبر أدواتها العسكرية، فإن بريطانيا كانت -وما تزال- هي التي تخطط بهدوء وخبث من وراء الكواليس، مستخدمة أدوات ووسائل ناعمة، ومستندة الى مبدأها الاستعماري المعروف فرق تسد.
الثانية: تتمثّل في أن السفير البريطاني الحالي، وهو المسلم ذو الأصول الباكستانية، لم يكن أول سفير يقحم نفسه في قضايا وملفات داخلية، بل إن زملاءه الذين سبقوه فعلوا الأمر نفسه، وربما أكثر، فقد كان قبله السفير ستيفن هيتش، وكان يحرص على حضور مجالس العزاء الحسيني التي يقيمها بعض الساسة العراقيين، ويطلق بين الفينة والأخرى التصريحات الاستفزازية التي تتجاوز الى حد بعيد مساحات العمل الدبلوماسي. وقبله كان السفير ستيفن هيكي، والذي حاول أن يتناغم مع العراقيين ويقترب الى قلوبهم من أبواب المطابخ، حيث كان يحرص على ترويج المقاطع الفيديوية التي يظهر فيها، وهو يقوم بتهيئة الأكلات الشعبية العراقية، ليقول ما يريد قوله، ويسوق ما يبغي تسويقه، على قاعدة “دس السم في العسل”.
مع تنوّع الأساليب والسلوكيات والاهتمامات والمساحات، الهدف واحد لدى لندن ومعها واشنطن. والسفير البريطاني الجديد، والذي تولّى مهامه في بغداد في آذار الماضي من هذا العام، لم يتحدث بصفته الشخصية، كما هو الحال مع من سبقوه، وإن كانت نبرة الحديث وطريقة الطرح ودرجة حدته تتفاوت من واحد إلى آخر. فهذا الأخير بدا أكثر وضوحًا وصراحة وابتعادًا عن السياقات واللياقات الدبلوماسية، حين ادعى بأن “الحشد الشعبي يمثّل تهديدًا للعراق نفسه، لأن فصائل منضوية فيه لا تلتزم بقرارات القائد العام للقوات المسلحة، إضافة إلى أنها تهدّد دولًا أخرى، لأن بعضها سبق أن استهدف أهدافًا بالمنطقة، وبالتالي فهي تستجلب الخطر للبلد، وهذا خارج إطار سياسة الدولة”.
وحسنًا فعلت وزارة الخارجية العراقية؛ حين سجّلت اعتراضها الرسمي على تلك التصريحات، واصفة إيّاها “مخالفة للأعراف الدبلوماسية، وتدخلًا في الشؤون الداخلية للدولة”، وأن “هذا السلوك يتعارض وأحكام اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية، التي تُلزم الممثلين الدبلوماسيين باحترام قوانين وأنظمة الدولة المضيفة والامتناع عن التدخل في شؤونها الداخلية”.
لعلّه ينبغي على الحكومة العراقية طرد السفير البريطاني، مثلما فعلت حكومات أخرى في أوقات سابقة، مثل الحكومة السودانية، حينما طردت السفير البريطاني “جايلز ليفر” في تشرين الأول 2021، بسبب انتقاده اجراءات الجيش السوداني حيال الحكومة في ذلك الحين.
ومثلما أن الحزم مطلوب في المجالات الأمنية والعسكرية، من أجل الحفاظ على أمن الدولة والمجتمع واستقرارهما، وترسيخ مبادئ الاستقلال والسيادة الوطنية، فإن الحزم في المجالات الدبلوماسية والسياسية مطلوب هو الآخر، ومن خلال أدواته ووسائله وسياقاته الخاصة، إذ من غير المعقول ولا المقبول ولا المنطقي أن يخوض هذا السفير أو ذاك الوزير، في دولة ما، بقضايا داخلية بحتة، وكأنه جزء من تلك الدولة ويشغل موقعًا فيها.
كما من المهم جدًا، أن يتذكر السفير عرفان صديق، أن عهد الاحتلال و”الانتداب” البريطاني انتهى منذ زمن بعيد، وهو الآن يشغل منصب سفير بمهام ووظائف محددة، وليس مندوبًا ساميًا يحكم كيفما يشاء، ويتحكّم بمن يشاء.



