اخر الأخبارثقافية

“قطط تهرب إلى مكيشيفة” شهادات لأرواح في وطن هش وزمن مشوّش

المراقب العراقي/ المراقب العراقي…

تأتي مجموعة “قطط تهرب إلى مكيشيفة” للكاتب علي الصالح والتي تتضمن 13 قصة قصيرة،في لحظة سردية عراقية حساسة حيث يتقاطع الهامش بالمركز ويتقاطع الصوت الفردي بالجماعي وسط ضجيج الواقع وانهيارات المعنى.

ومكيشيفة هي قرية عراقية في قضاء سامراء بمحافظة صلاح الدين وعلى مسافة 40 كم جنوب تكريت على الطريق الرابط بينها وبين سامراء، تقع مكيشيفة شمالي بغداد والبعد بينهما حوالي 130  كيلومتراً، يعتمد أهلها على الزراعة ورعاية المواشي ، دخلتها عصابات داعش الاجرامية عام 2014، وحررتها القوات المسلحة و الحشد الشعبي عام 2015.

وقال الناقد عبد الكريم حمزة عباس في قراءة خص بها” المراقب العراقي”:إن” عنوان المجموعة وحده يشكل مفتاحاً تأويلياً مركزياً، فالقطط الهاربة ليست إلا أرواحاً معلقة تبحث عن مأوى، ومكيشيفة – التي قد تكون حيًا أو قريةً أو استعارة – تمثل المجهول أو المهمّش أو المطمور في لاوعي الجماعة.

وأضاف: إن”العنوان “قطط تهرب إلى مكيشيفة” يثير تساؤلات قبل القراءة:

لماذا تهرب القطط؟ما هي مكيشيفة؟ ما العلاقة بين الكائن (القط) والمكان (مكيشيفة)؟في هذا العنوان تتقاطع الحيوانية بالإنسانية، وتُستَعار حركة الهروب لتدل على الخوف، القلق، أو النجاة من خطر غير مذكور صراحة،كما أن اختيار “القطط” كرمز له دلالة عميقة: فهي كائنات ذكية مترددة تراقب بصمت، وتتوارى خلف الأشياء ،أما “مكيشيفة” فهي اسم يختزن غرابة لغوية ودلالية، يوحي بمكان غير مألوف أو مغمور، وربما منسي، وقد تكون استعارة للذاكرة الشعبية أو للريف العراقي المتداعي أو حتى للمكان النفسي المنكفئ في اللاوعي الجمعي”.

وتابع : إن”المجموعة تتكوّن من قصص قصيرة متفاوتة في الطول والحدة إلا أنها تشترك في خيط سردي غير ظاهر للوهلة الأولى كل قصة تحاول أن تمسك بلحظة فقد، أو صدمة، أو انكسار داخلي و البطل فيها ليس فردًا بالضرورة، بل كائن مُهمّش: قط، امرأة منسية، رجل مكسور، طفل شريد، أو حتى شبح ويشبه الهمس وكأن الكاتب يتعمد الانحياز إلى المهمشين إلى من لا صوت لهم،هذا الأسلوب يضفي على السرد طابعًا شعريًا وتأمليًا ويقرّب القارئ من التجربة الشعورية للشخصيات”.

وأوضح أن”واحدة من أبرز مزايا مجموعة علي الصالح هي اللغة ليست شعرية مبتذلة، ولا هي نثرية تقريرية بل تقع في منطقة وسطى بين السرد المكثف والإيحاء ويوظف الكاتب جملاً قصيرة مشحونة، كثيرًا ما تنتهي بعبارات متروكة للتأويل أو بانزياحات توقظ القارئ من التلقّي العابر وبالنسبة للمكان وتتموضع أغلب القصص في أماكن هامشية: أزقة ضيقة، أطراف قرى، بنايات مهجورة، بيوت مهملة ولا يُقدّم الكاتب هذه الأمكنة بوصفها جغرافيا مجردة بل كأمكنة ذاكرة مأهولة بالتفاصيل الصغيرة، بالعزلة، وبحضور الماضي الغامض”.

وأكمل :”أما الزمن فيتداخل فيه الماضي بالحاضر وتصبح الذاكرة أداة تفكيك للواقع لا استعادة له والقصص لا تسير في خط زمني تقليدي بل تتشظى في لحظات عابرة ومشاهد مرتجّة، مما يعكس الجو النفسي القلق والمأزوم للشخصيات”.

وبين:أن” الرمزية حاضرة بقوة دون أن تكون مُغلقة أو تعجيزية فالقطط ترمز للخوف، للمراقبة، للحنين، وربما للناجين و مكيشيفة ترمز للعودة، للمنفى، للملاذ الأخير والشخصيات تتحرك كأطياف لا كأبطال مما يمنح النصوص بعدًا وجوديًا وهذا النمط من الكتابة يجعل القصص قابلة للتأويل المتعدد، وهو ما يمنح المجموعة قوة سردية واستمرارية جمالية بعد القراءة”.

وأتم :أن”الكاتب علي الصالح في هذه المجموعة يبدو كمن يدوّن شهادات لأرواح صغيرة- بشرية أو حيوانية- وجدت نفسها في وطن هش وزمن مشوّش وتتسم المجموعة بجاذبيتها الهادئة وبتأملها في التفاصيل الصغيرة للحياة وبتحريضها للقارئ على رؤية الجوانب المنسية من الواقع، وهي بذلك تفتح بابًا مهمًا للقص العراقي الحديث كي يستعيد صوته الخاص الهامشي العميق والرافض للضجيج”.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى