مجتمعات الجهالة والاقتباس الأعمى

مرتضى معاش..
إنّ أساس قضية الإمام الحسين (عليه السلام) هو تحرير الإنسان من حالة الجهالة، خصوصا عندما تصبح عامة وشاملة، وكما عبّر عنها الامام علي (عليه السلام) بـ(الجهالة الغالبة)، بما يعني الجهالة المستحكمة، أو الجهل المدقع.
فعندما يكون هناك إيغال في الجهل والتجهيل وتصبح الثقافة العامة أو المظهر العام للمجتمع هو الجهل، يصبح الجهل مشكلة كبيرة حيث يصبح معظم أفراد المجتمع همجا رعاعا يميلون مع كل ناعق، لذا فإن رسالة الإمام الحسين (عليه السلام)، هي استمرار لرسالة الانبياء والأئمة (عليهم السلام) في تحرير الإنسان من تلك الجهالة، ورفع القيود عن الإنسان حتى يكون حرا ومسؤولا وعارفا بمسؤولياته في الحياة، وتحريره من (التبعية الحضارية)، بأن لايبقى يعيش ذليلا في حضارة مهزومة أو يكون ميتَ الأحياء يعيش بلا حضارة.
ومن هنا فإن الجهالة على قسمين:
أولا: الجهالة الطبيعية: وهي الجهالة التي تأتي من خلال استمرار المجتمع في عدم التعلّم ونبذ المعرفة والعلم، فليس هناك في مفردات المجتمع الجاهلي شيء اسمه علم ومعرفة وتعليم، وحيث لا يدرك أي قيمة للمعرفة والعلم، وهذه هي الجهالة الغالبة.
وعن الامام علي (عليه السلام): (فَإِنَّ الْجَاهِلَ بِقَدْرِ نَفْسِهِ يَكُونُ بِقَدْرِ غَيْرِهِ أَجْهَلَ) لذلك يقبع المجتمع الجاهلي الذي لا يفهم معنى العلم والتعلم، في التخلف والشقاء والعنف والأزمات والضياع: (فَهُمْ فِيهَا تَائِهُونَ حَائِرُونَ جَاهِلُونَ مَفْتُونُونَ فِي خَيْرِ دَارٍ وَشَرِّ جِيرَانٍ نَوْمُهُمْ سُهُودٌ وَكُحْلُهُمْ دُمُوعٌ بِأَرْضٍ عَالِمُهَا مُلْجَمٌ وَجَاهِلُهَا مُكْرَمٌ).
ثانيا: الجهالة المكتسبة: هذا النوع من الجهالة يحدث عندما ينغمس المجتمع في حالة من التبعية الحضارية، والاستلاب الثقافي، فيصبح تابعا للحضارات وللثقافات الأخرى، فيعيش الجهالة بانهزامه العقائدي، وتستغلب عليه حالة السطحية في التفكير والأفكار التافهة، فيصبح مستلب الإرادة منقادا لغير إرادته، بلا هوية وانتماء.
مفهوم الاقتباس بين الأصالة والتبعية
لذلك ركز الأئمة (عليهم السلام) وخصوصا الإمام عليا (عليه السلام) على قضية الجهالة، لأنه كانت هناك عملية تجهيل مستمرة للمجتمع من قبل الحكومات الفاسدة والمستبدة لأجل ترسيخ السيطرة والهيمنة، وإيقاف أي نهضة معرفية لتحرير للإنسان.
فعن الإمام علي (عليه السلام):
(وَآخَرُ قَدْ تَسَمَّى عَالِماً وَلَيْسَ بِهِ فَاقْتَبَسَ جَهَائِلَ مِنْ جُهَّالٍ وَأَضَالِيلَ مِنْ ضُلَّالٍ وَنَصَبَ لِلنَّاسِ أَشْرَاكاً مِنْ حَبَائِلِ غُرُورٍ- وَقَوْلِ زُورٍ قَدْ حَمَلَ الْكِتَابَ عَلَى آرَائِهِ وَعَطَفَ الْحَقَّ عَلَى أَهْوَائِهِ يُؤْمِنُ النَّاسَ مِنَ الْعَظَائِمِ وَيُهَوِّنُ كَبِيرَ الْجَرَائِمِ يَقُولُ أَقِفُ عِنْدَ الشُّبُهَاتِ وَفِيهَا وَقَعَ وَيَقُولُ أَعْتَزِلُ الْبِدَعَ وَبَيْنَهَا اضْطَجَعَ -فَالصُّورَةُ صُورَةُ إِنْسَانٍ وَالْقَلْبُ قَلْبُ حَيَوَانٍ لَا يَعْرِفُ بَابَ الْهُدَى فَيَتَّبِعَهُ وَلَا بَابَ الْعَمَى فَيَصُدَّ عَنْهُ وَذَلِكَ مَيِّتُ الْأَحْيَاءِ).
اقتبس في اللغة، هو الشعلة من النار، تؤخَذ أو تُقتبَس من النار تسمى (قبس)، وكان الناس سابقا في الإضاءة يعتمدون على النار، والمسافر في الصحراء يبحث عن ذلك القبس الذي يضيء له الطريق في الصحراء المظلمة، ويصل به الى غايته، ولابد لهذا القبس ان يكون متوقدا دائما ولا يجوز أن ينطفئ حتى لا يتيه المسافر في عمق الصحراء، وقد وصف الإمام علي (عليه السلام) رسول الله (صلى الله عليه وآله) بقوله:
(حَتَّى أَوْرَى (الرسول) قَبَسَ الْقَابِسِ وَأَضَاءَ الطَّرِيقَ لِلْخَابِطِ وَهُدِيَتْ بِهِ الْقُلُوبُ بَعْدَ خَوْضَاتِ الْفِتَنِ وَالْآثَامِ) وفي رواية ثانية: (حَتَّى أَوْرَى قَبَساً لِقَابِسٍ وَأَنَارَ عَلَماً لِحَابِسٍ).
الخابط: هو الذي يسير ليلاً في الظلام على غير هدىً، الحابس: هو الذي حبس ناقته حيرة لا يدري أين الطريق، فقد كانت العرب تضع النيران في رؤوس الجبال للإشارة إلى الطريق في اللّيل ليستنير بها المتحيّرون من القوافل.
وقول الإمام علي (عليه السلام): (فاقتبس جهائل من جهال وأضاليل من ضُلّال)، يعني بأن هذا الذي يقتبس الأوهام والضلالات سيبقى يعيش في الظلام، ولن يجد ذلك الطريق المنير الذي يوصله إلى الرشاد، بل انه كذلك يمارس تجهيل غيره، لذلك قال (عليه السلام) جهائل ولم يقل جهالة، لأن طبيعة الجهالة تتراكم فتنتج جهالات، تبدأ من الجهالة الأولى ثم الثانية والثالثة حيث يصعد البنيان الاعوج للجهل ويصيح مصدرا للتضليل والانحراف، وذلك هو معنى أضاليل من ضُلّال.
ومن هنا يمكن أن نعرف ارتباط الجهالة مع حيرة الضلالة، فعبارة (وأنار علما لحابس)، والحابس هو الذي يقف في مكانه ولا يستطيع أن يذهب إلى أي مكان، حبس ناقته ينتظر حتى يرى الطريق من خلال نور القبس، وطالما لا يوجد نور ليست هناك حركة، فهو محبوس في مكانه ينتظر من يشعل له النور.
فالجهالة والأضاليل تُبقي الإنسان محبوسا في مكانه، فهو حائر محتار في حيرة مستمرة، والحيرة في اللغة تعني الإنسان الذي يبقى في مكانه ويدور ويحور حول نفسه، فهو محتار ضال تائه، لا يدري ماذا يفعل وإلى أين يذهب، هل يمضي يمينا أم شمالا؟



