اخر الأخبارالاخيرة

شاب بغدادي دليل سياحي يفهم لغة الجبال والناس

لم يكن رفعت، الشاب البغدادي، خريج كليات السياحة أو المتخصصين في صناعة الترويج للوجهات، لكنه يعرف كيف يصنع من كل محطة ذكرى، ومن كل رحلة حكاية، شهادة الإعدادية التي يحملها لم تكن حاجزاً، بل بوابةً إلى عالم آخر، قرأه بفطرته، وتعلمه من خلال التجربة، ثم أعاد صياغته بلمسة خاصة، فصار يعرف ماذا يريد السائح حتى قبل أن يطلب، ويترجم كل منصة سياحية إلى واقع حي يتحرك فيه بثقة وسلاسة.

ولد رفعت في بغداد، لكنه لا يعرف الجغرافيا كخرائط فقط، بل كمشاعر وتجارب ووجوه. انتقل بالرحلات إلى الإمارات ولبنان ومصر، ليتدرب هناك على تفاصيل العمل السياحي، ويختبر نفسه في ثقافات مختلفة، قبل أن يعود إلى العراق، وينذر نفسه لشماله الحبيب، حيث بدأت الرحلة التي جعلته رقماً صعباً في عالم الإرشاد السياحي الداخلي.

في السليمانية، لا يتصرف رفعت كمجرد موظف يؤدي واجباً في رحلة مكلف بها. هناك، يتحرك كمن يملك المكان، يتحدث مع الزوار عن البيوت الكردية القديمة، وعن المقاهي التي يتسلل منها عبق القهوة مع أول ضوء، وعن تأريخ الجبال التي تقف شامخة كأنها تسرد بنفسها ما مر على هذه البلاد من فصول.

ويقول رفعت وهو يشير إلى قمة جبل “أزمر” المطل على المدينة: “ليست السياحة وظيفة لي، إنها شغف، أقرأ عنها، أعيشها، ألاحق أخبارها، وأسأل كبار السن في القرى عن تفاصيل لم تكتب في الكتب”.

لم تكن السليمانية وجهته الوحيدة، بل هي واحدة من خرائط عشق كثيرة يحتفظ بها في ذاكرته. في أربيل، يتحدث عن القلعة كمن تربى في أزقتها، وفي لالش يرافق الزوار بروح متسامحة تعرف معنى القداسة والتنوع، وفي دهوك يتنقل بين الجبال والبحيرات بنكهة إنسانية خالصة، لا تشوبها الجمل الجاهزة التي يرددها بعض الأدلاء.

رفعت القمة، نموذج يحتاج إلى من يحتضنه، ويدعمه، ويطوّره. لأنه لا يمثل نفسه فقط، بل جيلاً جديداً من العراقيين الذين يريدون أن يظهروا للعالم الوجه الآخر لهذا البلد، الوجه الذي يروي الحكاية، حكاية بلد عمره آلاف السنين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى