اخر الأخبارثقافية

“كأن تكون فلسطينياً”.. رحلة الصعود إلى المنفى الأول

يستدعي فيصل درّاج في كتابه “كأن تكون فلسطينياً: شذرات من سيرة ذاتية” الصادر عن “المؤسسة العربية للدراسات والنشر” سيرة المغلوبين، أو سيرة الجموع، فهو ينأى بسيرته الشخصية نحو الظلّ لمصلحة شخصيات تركت أثراً في حياته، وتالياً نحن إزاء سيرة معرفيّة في المقام الأول. المغلوب هنا هو الفلسطيني اللاجئ، ذلك الذي اقتُلع من جذوره نحو مكان مؤقت وإذا بذكريات المكان الأول تمنحه بعض الطمأنينة في تخفيف معنى الإهانة.

سيرة الناقد الفلسطيني تشتبك مع سير آخرين، أمثال إحسان عباس “غربة الراعي”، وجبرا إبراهيم جبرا “صيّادون في شارع ضيّق”، وسرديات لغسان كنفاني وسميرة عزّام وحسين البرغوثي. سير كُتبت بحبر الحنين في المقام الأول، لافتاً إلى أنّ اللاجئ يكتب سيرة ذاتية منقوصة تتعلّق بماضيه المستمرّ لا مستقبله. سيرة المخيّم والحصار والشهداء والمنفى. هكذا تنهال الصور من الذاكرة، ذاكرة طفل الخامسة وهو يغادر قريته الفلسطينية “الجاعونة” إلى قرية “جويزة” السورية كأول اختبار لصدمة النكبة ومعنى الاقتلاع والإقامة المؤقتة وعنف الغربة. يعتمد هذا الناقد الفلسطيني التنويري في توثيق سيرته نبرة روائية بجرعات متفاوتة في الإيقاع السردي كأنما يضمر نصّاً روائياً ملتبساً يتأرجح بين الوقائع التي خبرها عن كثب والتخييل الذاتي في تأطير معنى المنفى صعوداً من المكان الأول نحو أمكنة مؤقتة تنطوي على اغتراب وجودي كنهج عنيف في الحياة.

يروي فيصل درّاج رحلة الصعود إلى المنفى الأول نحو قرية الجويزة من ريف القنيطرة في سوريا، وينتمي الصعود هنا إلى كلّ من الجغرافيا والثيولوجيا، وفي كليهما مشقّة، وسيرى الطفل في رحلة الصعود التعدّد الاثني: العرب، والشركس، والتركمان متجذّرون في مكان هو وحده دخيل عليه، رغم كونه عربياً، وكان التمييز يبدأ في حجرة الدرس برفع اليد بالنسبة إلى اللاجئين، ليتعرّف الطفل شيئاً فشيئاً إلى اختلافه في استعارات يؤكّد فيها أنّ جسده مثل بقيّة الأجساد، لكنّ الاختلاف سيظلّ قائماً.

المنعطف الحاسم في هذه السيرة سيتجلّى في مدينة دمشق، هناك حيث درس الفلسفة في جامعتها، منخرطاً بقراءة ألبير كامو ونجيب محفوظ وغسان كنفاني، ذلك أنّ “الغريب لا تأريخ له”. أما الصدمة الكبرى التي ستواجهه فستحدث في مطار باريس التي قدم إليها كطالب دكتوراه في جامعة السوربون، سيجيبه ضابط أمن المطار وهو يتأمّل جواز سفره “إنني آسف فلا وجود على خريطة العالم لبلد له اسم بلدك”، ورقابة شديدة الحراسة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى